أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

52

العقد الفريد

المدينة ، فجعلت أسير في صمد « 1 » من الأرض ، فسمعت غناء من الهواء لم أسمع مثله فقلت : واللّه لأتوصّلنّ إليه . فإذا هو عبد أسود ، فقلت له : أعد ما سمعت . فقال : واللّه لو كان عندي قرى أقريك ما فعلت ، ولكن أجعله قراك ؛ فإني واللّه ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع ، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط وربما غنيته وأنا عطشان فأروى ! ثم ابتدأ فغنى : وكنت متى ما زرت سعدى بأرضها * أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها من الخفرات البيض ودّ جليسها * إذا ما انقضت أحدوثة لو يعيدها « 2 » قال عمر : فحفظته منه ، ثم تغنيت به على الحالات التي وصف ، فإذا هو كما ذكره . خالد صامة : وتحدث الزبيريون عن خالد صامة بأنه كان من أحسن الناس ضربا بعود . قال : قدمت على الوليد بن يزيد في مجلس ناهيك به مجلسا ، فألفيته على سريره ، وبين يديه معبد ، ومالك بن أبي السمح ، وابن عائشة ، وأبو كامل غزيّل الدمشقي وكانوا يغنّون ، حتى بلغت النوبة إليّ ، فغنيته : سرى همّي وهمّ المرء يسري * وغاب النّجم إلا قيد فتر « 3 » لهمّ ما أزال له قرينا * كأنّ القلب أودع حرّ جمر على بكر أخي ، فارقت بكرا * وأيّ العيش يصلح بعد بكر فقال : أعد يا صام . ففعلت ، فقال لي : من يقول هذا الشعر ؟ قلت : يقوله عروة ابن أذينة يرثي أخاه بكرا . قال الوليد : وأي عيش يصلح بعد بكر ! واللّه لقد حجّر واسعا ، هذا واللّه العيش الذي نحن فيه ، يصلح على رغم أنفه .

--> ( 1 ) الصمد : المكان المرتفع الغليظ . ( 2 ) الخفرات : جمع خفرة : وهي التي اشتد حياؤها . ( 3 ) الفتر : ما بين طرف الابهام وطرف السبابة إذا فتحتهما .