أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
35
العقد الفريد
وكيف ذلك ؟ قال : إن شئت أجملت وإن فصلت . قلت : أجمل . قال : كان يغني كلّ إنسان بما يشتهي ، كأنه خلق من قلب كل إنسان . وكان إبراهيم أول من وقع الإيقاع بالقضيب . المغنون في بيت إبراهيم وحدث يحيى بن محمد قال : بينا نحن على باب الرشيد ننتظر الإذن ، إذ خرج الآذن فقال لنا : أمير المؤمنين يقرئكم السلام ! قال : فانصرفنا ، فقال لنا إبراهيم : تصيرون إلى منزلي ! قال : فانصرفنا معه ، قال : فدخلت دارا لم أر اشرف منها ولا أوسع ، وإذا أنا بأفرشة خز مظهرة بالسنجاب ، قال : فقعدنا ، ثم دعا بقدح كبير فيه نبيذ ، وقال : اسقني بالكبير ، إني كبير * إنما يشرب الصغير صغير ثم قال : اسقني قهوة بكوب كبير * ودع المأكلة للحمير ثم شرب به ، وأمر به فملئ وقال لنا : إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير ! ثم أمر بجوار فأحطن بالدار ، فما شبهت أصواتهن إلا بأصوات طير في أجمة « 1 » يتجاوبن . المأمون وإسحاق الموصلي وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : لما أفضت الخلافة إلى المأمون ، أقام عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء ، ثم كان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى ، ثم واظب على السماع ، وسأل عني فجرّحني عنده بعض من حسدني فقال : ذلك رجل يتيه على الخلافة ! فقال المأمون : ما أبقى هذا من التيه شيئا . وأمسك عن ذكري ، وجفاني كلّ من كان يصلني ، لما ظهر من سوء رأيه ، فأضرّ ذلك بي ، حتى جاءني يوما علّوية ،
--> ( 1 ) الأجمة : الشجر الكثير الملتف .