أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

30

العقد الفريد

طويس وأبان : حدّثنا جعفر بن محمد قال : لما ولى أبان بن عثمان بن عفان المدينة لمعاوية بن أبي سفيان ، قعد في بهو له عظيم ، واصطف له الناس ، فجاء طويس المغني وقد خضب « 1 » يديه غمسا ، واشتمل على دف له ، وعليه ملاءة مصقولة ؛ فسلّم ثم قال : بأبي وأمي يا أبان ، الحمد للّه الذي أرانيك أميرا على المدينة ؛ إني نذرت للّه فيك نذرا إن رأيتك أن أخضب يدي غمسا وأشتمل على دفي وآتي مجلس إمارتك وأغنيك صوتا ! قال : فقال : يا طويس ، ليس هذا موضع ذاك . قال : بأبي أنت وأمي يا بن الطيّب أبحني . قال : هات يا طويس . فحسر عن ذراعيه وألقى رداءه ومشى بين السماطين « 2 » وغنى : ما بال أهلك يا رباب * خزرا كأنهم غضاب قال : فصفق أبان بيديه ، ثم قام عن مجلسه فاحتضنه وقبّل بين عينيه ، وقال : يلومونني على طويس ! ثم قال له : من أسنّ ، أنا أو أنت ؟ قال : وعيشك لقد شهدت زفاف أمّك المباركة إلى أبيك الطيب ! انظر إلى حذقه ورقة أدبه ، كيف لم يقل : أمك الطيبة إلى أبيك المبارك . هو وبكر وسعيد : وعن الكلبي قال : خرج عمر بن عبد العزيز إلى الحج وهو والي المدينة ، وخرج الناس معه ؛ وكان فيمن خرج : بكر بن إسماعيل الأنصاري ، وسعيد بن عبد الرحمن ابن حسان بن ثابت ؛ فلما انصرفا راجعين مرّا بطويس المغني ، فدعاهما إلى النزول عنده ؛ فقال بكر بن إسماعيل : قد البعير إلى منزلك . فقال له سعيد بن عبد الرحمن : أتنزل على هذا المخنّث ؟ فقال : إنما هو منزل ساعة ثم نذهب . واحتمل طويس الكلام عن سعيد ، فأتيا منزله ، فإذا هو قد نظفه ونجّده ، فأتاهما بفاكهة الشام

--> ( 1 ) خضّب : لوّن بالحناء . ( 2 ) السماط : الصف .