أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

250

العقد الفريد

وعليه ثوبان ، قد أخلقا فنظر إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : ما له ثوبان غير هذين ؟ قلت : بلى يا رسول اللّه ، له ثوبان في العيد كسوته إياهما . قال : فادعه فمره فليلبسهما . قال : فدعوته فلبسهما ثم ولى ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ماله ، ضرب اللّه عنقه ! أليس هذا خيرا له ؟ فسمعه الرجل ، فقال : في سبيل اللّه يا رسول اللّه ! فقتل الرجل في سبيل اللّه . الربيع بن زياد وعلي : العتبي قال : أصابت الربيع بن زياد الحارثي نشابة « 1 » على جبينه ، فكانت تنتقض عليه في كل يوم ، فأتاه عليّ بن أبي طالب عائدا ، فقال : كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن قال : أجدني لو كان لا يذهب ما بي إلا ذهاب بصري لتمنيت ذهابه ! قال له : وما قيمة بصرك عندك ! قال : لو كانت لي الدنيا فديته بها ! قال : لا جرم ، ليعطينّك اللّه على قدر ذلك إن شاء اللّه ، إن اللّه يعطي على قدر الألم والمصيبة ، وعنده بعد تضعيف كثير ! قال له الربيع : يا أمير المؤمنين ، ألا أشكو إليك عاصم بن زياد ؟ قال : وماله ؟ قال : لبس العباء ، وترك الملاء ، وغمّ أهله ، وأحزن ولده ! فقال : عليّ عاصما ! فلما أتاه عبس في وجهه ، وقال : ويلك يا عاصم ، أترى اللّه أباح لك اللذات وهو يكره أخذك منها ؟ لأنت أهون على اللّه من ذلك ؛ أو ما سمعته يقول : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ « 2 » ، ثم قال : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ « 3 » ؛ وقوله : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها « 4 » ؟ أما واللّه إن ابتذال نعم اللّه بالفعال ، أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال وقد سمعته عز وجل يقول : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ « 5 » ، ويقول : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ

--> ( 1 ) نشابة : واحدة النشاب وهي السهام . ( 2 ) سورة الرحمن الآية 19 و 20 . ( 3 ) سورة الرحمن الآية 22 . ( 4 ) سورة فاطر الآية 35 . ( 5 ) سورة الضحى الآية 1 .