أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
243
العقد الفريد
كتاب الزبرجدة الثانية في بيان طبائع الانسان وسائر الحيوان قال أحمد بن محمد بن عبد ربه رحمه اللّه : قد مضى قولنا في المتنبئين ، والممرورين والبخلاء ، والطفيليين . ونحن قائلون بعون اللّه وتوفيقه في طبائع الإنسان وسائر الحيوان ، وتفاضل البلدان ، والنعمة والسرور ؛ إذ لم يكن مدار الدنيا إلا عليها ، ولا قوام الأبدان إلا بها ؛ وإذ هي نمو الفراسة ، وتركيب الغريزة ، واختلاف الهمم ، وطيب الشيم وتفاضل الطعوم . وقد تكلم الناس في النعمة والسرور ، على تباين أحوالهم ، واختلاف هممهم وتفاوت عقولهم ، وما يجانس كل رجل منهم في طبعه ، ويؤلفه في نفسه ، ويميل إليه في وهمه ؛ وإنما اختلف الناس في هذا المذهب لاختلاف أنفسهم ، فمنهم من نفسه غضبية ، فإنما همه منافسة الأكفاء ، ومغالبة الأقران ، ومكاثرة العشيرة ومنهم من نفسه ملكية ، فإنما همه اليقين في العلوم ، وإدراك الحقائق ، والنظر في العواقب ؛ ومنهم من نفسه بهيمية ، فإنما همه طلب الراحة ، وانهماك النفس على الشهوة من الطعام والشراب والنكاح ؛ وعلى هذه الطبيعة البهيمية قسمت الفرس دهرها كلّه ، فقالوا : يوم المطر للشرب ، ويوم الريح للنوم ، ويوم الدجن للصيد ، ويوم الصحو للجلوس . وهي أغلب الطبائع على الإنسان ، لأخذها بمجامع هواه ، وإيثار الراحة وقلة العمل ، فمنه قولهم : الرأي نائم والهوى يقظان ؛ وقولهم : الهوى إله معبود ؛ وقولهم : ربيع القلب ما اشتهى ، وقولهم : لا عيش كطيب النفس .