أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
206
العقد الفريد
أبدان الاعراب ؛ للّه درّ الحارث بن كلدة حيث زعم أن الدواء هو الأزم « 1 » ، وان الداء كله هو من فضول الطعام ؛ فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن ، وذكاء الذهن ، وصلاح الدين والدنيا ، والقرب من عيش الملائكة ؟ أي بنيّ ، ما صار الضبّ أطول شيء عمرا إلا أنه يتبلّغ بالنسيم ؛ وما زعم الرسول أن الصوم وجاء « 2 » إلا أنه جعله حاجزا دون الشهوات : فافهم تأديب اللّه وتأديب الرسول ؛ أي بني ، قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سنّ ، ولا انتشر لي عصب ، ولا عرفت وكف انف ، ولا سيلان عين ، ولا سلس بول ؛ وما لذلك علة إلا التخفف من الزاد ؛ فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة ، وإن كنت تحب الموت فلا أبعد اللّه غيرك . أبو الأسود الدؤلي ومن البخلاء : أبو الأسود الدؤلي : وقفت عليه امرأة وهو في فسطاط وبين يديه طبق تمر ، فقالت : السلام عليك ! قال أبو الأسود : كلمة مقبولة . ووقف عليه اعرابي ، وهو يأكل فقال الاعرابي : أدخل ؟ قال وراءك أوسع لك ! قال : الرمضاء أحرقت رجلي ! قال : بل عليهما تبردان ! قال أتأذن لي ان آكل معك ؟ قال : سيأتيك ما قدّر لك ! قال : تاللّه ما رأيت رجلا الأم منك . قال : بلى قد رأيت إلا انك نسيت ! ثم اقبل أبو الأسود يأكل ، حتى [ إذا ] لم يبق في الطبق الا تميرات يسيرة نبذها له ، فوقعت تمرة منها ، فأخذها الاعرابي ومسحها بكسائه ، فقال أبو الأسود . يا هذا ، إن الذي تمسحها به أقذر من الذي تمسحها له . قال : كرهت ان ادعها للشيطان ! قال : لا واللّه ، ولا لجبريل وميكائيل ما كنت لتدعها . الأصمعي قال : مرّ رجل بأبي الأسود الدؤلي وهو يقول : من يعشّي الجائع ؟ فقال أبو الأسود : عليّ به ، فأتاه بعشاء كثير . وقال : كل حتى تشبع ! فلما اكل ذهب ليخرج ؛ قال : أين تريد ؟ قال : أريد أهلي . قال : لا أدعك تؤذي المسلمين الليلة
--> ( 1 ) الأزم : ترك الأكل ، وألّا تدخل طعام على طعام . ( 2 ) الوجاء : يقال وجأ فلانا أي دفعه بجمع كفه في الصدر أو العنق .