أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
200
العقد الفريد
مبيتكم ومنامكم ؟ فإن قال أحدهم إنه نام ليلته في هدوء وسكون ، قال : النفس إذا اخذت قوتها اطمأنت ! وإذا قال أحدهم إنه لم ينم ليلته قال : إنه من افراط الكظّة « 1 » والإسراف في البطنة ! ثم يقول : كيف كان شربكم للماء ؟ فإن قال أحدهم : كثيرا . قال : التراب الكثير لا يبله إلا الماء الكثير وإن قال : قليلا . قال : ما تركت للماء مدخلا ! وكان إذا أطعم أصحابه استلقى على قفاه ثم يتلو قوله تعالى : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً « 2 » . ودخل عليه رجل وبين يديه طبق فراريج ، فغطى الطبق بذيله ، وأدخل رأسه في جيبه ، وقال للرجل الداخل : ادخل في البيت الآخر حتى أفرغ من بخوري . أبو جعفر وشوي لأبي جعفر الهاشمي دجاج ففقد فخذا من دجاجة ، فأمر فنودي في منزله : من هذا الذي تعاطى فعقر ! واللّه لا أخبز في التنور شهرا أو تردّ ! فقال ابنه الأكبر : يا أبت ، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا . سهل بن هارون وقال دعبل الشاعر : كنا يوما عند سهل بن هارون ، فأطلنا الحديث حتى أضرّ به الجوع ، فدعا بغذائه ، فإذا بصحفة عدمليّة « 3 » فيها مرق لحم ديك قد هرم ، لا تحز فيه السكين ، ولا تؤثر فيه الضرس [ فأخذ قطعة خبز فقلب بها جميع ما في الصحفة ، ففقد الرأس ، فأطرق ساعة ، ثم رفع رأسه إلى الغلام ، وقال : أين الرأس ؟ قال : رميت به . قال : لم ؟ قال : لم أظنك تأكله ولا تسأل عنه . قال : ولأي شيء ظننت ذلك ؟ فو اللّه إني لا بغض من يرمي برجله فضلا عن رأسه ، والرأس رئيس الأعضاء ،
--> ( 1 ) الكظة : البطنة . ( 2 ) سورة الإنسان الآية 9 . ( 3 ) عدملية : قديمة .