أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
193
العقد الفريد
شاطئ دجلة في وقت الخريف ، فإذا بغلام كنت أعرفه بجمال ، قد تجرد من ثيابه وألقى نفسه في الدجلة يسبح فيها ، وقد احمرّ جلده من برد الماء ؛ وإذا مان الموسوس يرمقه ببصره ، فلما خرج من الماء قال : خمش الماء جلده الرطب حتى * خلته لابسا غلالة خمر « 1 » قلت له : لعنك اللّه يا ماني ! أبعد الجهاد والغزو تحبّ غلاما قد بات مؤخرا في الحانات ؟ فقال لي : ليس مثلك يخاطب يا أحمق ، وإنما يخاطب هذا وأشار إلى السماء ، وقال : بكفّيك تقليب القلوب وإنني * لفي ترح ممّا ألاقي فما ذنبي ؟ خلقت وجوها كالمصابيح فتنة * وقلت اهجر وها عزّ ذلك من خطب ! « 2 » فإما أبحت الصبّ ما قد خلقته * وإما زجرت القلب عن لوعة الحب ! أخذ هذا المعنى يزيد بن عثمان فقال : أيا ربّ تخلق ما تخلق * وتنهي عبادك أن يعشقوا ؟ إلهي ، خلقت حسان الوجوه * فأيّ عبادك لا يعشق وقال أبو بكر الموسوس في نصراني : أبصرت شخصك في نومي يعانقني * كما تعانق لام الكاتب الألفا يا من إذا درس الإنجيل ظلّ له * قلب الحنيف عن الإسلام منصرفا ! وله فيه : زنّاره في خصره معقود * كأنه من كبدي مقدود أخبار البخلاء بخل أهل مرو ، ولابن أشرس فيهم : أجمع الناس على بخل أهل مرو ، ثم أهل خراسان .
--> ( 1 ) خمش : خدش . ( 2 ) الخطب : المصيبة .