أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

191

العقد الفريد

تشييعهم ؟ فقال : لي فيهم سكن « 1 » . قلت : فهل قلت فيهم شيئا ؟ قال : نعم . وأنشدني : هم رحلوا يوم الخميس عشيّة * فودّعتهم لمّا استقلوا وودّعوا فلما تولّوا ولّت النفس معهم * فقلت ارجعي قالت إلى أين أرجع ؟ إلى جسد ما فيه لحم ولا دم * وما هو إلا أعظم تتقعقع وعينان قد أعياهما كثرة الكبا * وأذن عصت عذّالها ليس تسمع أديب ذاهب العقل : أبو بكر الوراق قال : حدّثني صديق لي ؛ قال : رأيت رجلا من أهل الأدب قد ذهب عقله بالمحبة ، وخلفه دابة له تدور معه ، فاستوقفته وقلت له : يا فلان ، ما حالك ؟ وأين النعمة ؟ قال : تغير قلبي فتغيرت النعمة ! قلت : بم تغيّر ؟ قال : بالحب ! ثم بكى وأنشأ يقول : أرى التجمّل شيئا لست أحسنه * وكيف أخفي الهوى والدّمع يعلنه « 2 » أم كيف صبر محبّ قلبه دنف * الهجر ينحله والشّوق يحزنه ؟ « 3 » وإنه حين لا وصل يساعفه * يهوى السّلوّ ، ولكن ليس يمكنه وكيف ينسى الهوى من أنت همّته * وفترة اللحظ من عينيك تفتنه ؟ فقلت : أحسنت واللّه ! فقال : قف قليلا ، فو اللّه لأطرحنّ في أذنيك أثقل من الرصاص وأخف على الفؤاد من ريش الحواصل ! وأنشد : للحبّ نار على عيني مضرمة * لم تبلغ النار منها عشر معشار الماء ينبع منها من محاجرها * يا للرّجال لماء فاض من نار ! ثم وقف وأنشد : أعاد الصّدود فأحيا العليلا * وأبدى الجفاء فصبرا جميلا « 4 »

--> ( 1 ) السكن : أهل الدار . ( 2 ) التجمل : تكلف الحسن والجمال . ( 3 ) الدنف : الذي اشتد مرضه . ( 4 ) الصد : الهجر .