أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
189
العقد الفريد
فو حقّ من أبلى بهم * نفسي ومن عافاهم لو قيس موتاهم بهم * كانوا هم موتاهم ثم نظر حوله فرأى جميل الهيئة حسن الوجه ، فشق ثيابه وقال : هذا السعيد لديهم * قد صار بي أشقاهم أبو فحمة قال أبو البحتري الشاعر : كان يبلغني أن ببغداد مجنونا يكنى أبا فحمة ، له بديهة حسنة ، فتعرضت له ، فأتيح لي لقاؤه في بعض سكت بغداد ؛ فقلت له : كيف أصبحت أبا فحمة ؟ فأنشأ يقول : أصبحت منك على شفا جرف * متعرّض لموارد التّلف « 1 » وأراك نحوي غير ملتفت * متحرّفا عن غير منحرف يا من أطال بهجره كلفي * أسفي عليك أشدّ من كلفي قال أبو البحتري : فأخرجت له قبضة نرجس كانت في كمّي فحيّيته بها ، فجعل يشمها مليا ، ثم أنشأ يقول : لمّا تزوجت الجنوب بهاطل * جون هتون زبرج دلّاح « 2 » أضحى يلقّحها بوسمي الصّبا * فاستثقلت حملا بغير نكاح « 3 » حتى إذا حان المخاض تفجّرت * فأتت بولدان بلا أرواح حاك الربيع لها ثيابا وشّيت * بيد النّدى وأنامل الأرواح من أصفر في أزهر قد زانه * تبر على ورق من الأوضاح ركّبن في عمد الزّبرجد فاغتدى * نحو الغزالة ناظرا بملاح
--> ( 1 ) الجرف : شق الوادي إذا حفر الماء في أسفله . ( 2 ) الزبرج : السحاب الرقيق فيه حمرة . ( 3 ) الصّبا : ريح مهبها من مشرق الشمس إذا استوى الليل والنهار .