أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

185

العقد الفريد

ما أوجع البين من غريب * فكيف إن كان من حبيب « 1 » يكاد من شوقه فؤادي * إذا تذكرته يموت فقال له أبي : إن هذا باء وهذا تاء . قال : لا تنقط أنت شيئا . قلت : يا هذا إن البيت الأول مخفوض وهذا مرفوع . قال : أنا أقول لا تنقط : وهو يشكل ! ولما توفيت أم سليمان بن وهب الكاتب ، أخي الحسن بن وهب ، دخل عليه رجل من نوكى الكتاب يسمى صالح بن شيرزاد ، بشعر يرثيها فيه ، فأنشده : لأمّ سليمان علينا مصيبة * مغلغلة مثل الحسام البواتر وكنت سراج البيت يا أمّ سالم * فأمسى سراج البيت وسط المقابر فقال سليمان : ما نزل بأحد ما نزل بي : ماتت أمي ، ورثيت بمثل هذا الشعر ونقل اسمي من سليمان إلى سالم ! ومن قول صالح بن شيرزاد هذا : لا تعدلنّ دواء بالنساء فإن * كان الضراك فذاك الآذريطوس « 2 » أبو الواسع ومجنون : ودخل بعض شعراء المجانين على أبي الواسع وحوله بنوه ، فاستأذنه في الإنشاد فاستعفى ، فلم يزل به حتى أذن له ؛ فأنشده شعرا ، فلما انتهى فيه إلى قوله : وكيف تنفى وأنت اليوم رأسهم * وحولك الغرّ من أبنائك الصّيد « 3 » قال له : ليتك تركتنا رأسا برأس .

--> ( 1 ) البين : الفراق . ( 2 ) الآذريطوس : دواء يوناني معرب . ( 3 ) الصيد : جمع الأصيد ، وهو كل ذي حول وطول من ذوي السلطان .