الشيخ سيد سابق

381

فقه السنة

وهذه العلة تود في القدر المسكر ، لا فيما دون ذلك ، فوجب أن يكون ذلك القدر هو احرام ، إلا ما انعقد عليه الاجماع من تحريم قليل الخمر وكثيرها . قالوا : وهذا النوع من القياس يلحق بالنص . وهو القياس الذي ينبه الشرع على العلة فيه . وقال المتأخرون من أهل النظر : حجة الحجازيين من طريق السمع أقوى وحجة العراقيين من طريق القياس أظهر . وإذا كان هذا كما قالوا فيرجع الخلاف إلى اختلافهم في تغليب الأثر على القياس ، أو تغليب القياس على الأثر إذا تعارضا ، وهي مسألة مختلف فيها . لكن الحق أن الأثر إذا كان نصا ثابتا ، فالواجب أن يغلب على القياس . وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملا للتأويل ، فهنا يتردد النظر : هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ ؟ أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى القياس ؟ وذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الألفاظ الظاهرة وقوة قياس من القياسات التي تقابلها . ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي ، كما يدرك الموزون من الكلام من غير الموزون . وربما كان الذوقان على التساوي . . . ولذلك كثر الاختلاف في هذا النوع ، حتى قال كثير من الناس : " كل مجتهد مصيب " . قال القاضي : والذي يظهر لي - والله أعلم - أن قوله عليه الصلاة والسلام " كل مسكر حرام " وإن كان يحتمل أن يراد به القدر المسكر لا الجنس المسكر ، فإن ظهوره في تعليق التحريم بالجنس أغلب على الظن من تعليقه بالقدر ، لمكان معارضة ذلك القياس له على ما تأوله الكوفيون ، فإنه لا يبعد أن يحرم الشارع قليل المسكر وكثيره سدا للذريعة وتغليظا ، مع أن الضرر إنما يوجد في الكثير . وقد ثبت من حال الشرع بالاجماع أنه اعتبر في الخمر الجنس دون القدر ، فوجب كل ما وجدت فيه علة الخمر أن يلحق بالخمر ، وأن يكون على من زعم وجود الفرق إقامة الدليل على ذلك .