أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
63
العقد الفريد
أشدّ لاجتهاد الناس ! قال : واللّه إني لأبغض الخلاف عليكم ، ولكن يأتي مفروق فينظر فيما قلتم . فلما جاء مفروق شاوره أبوه - وذلك أول يوم ذكر فيه مفروق بن عمرو - فقال له مفروق : ليس هذا أرادوا ، وإنما أرادوا أن يخدعوك عن رأيك وحسدوك على رئاستك ، واللّه لئن لقيت القوم فظفرت لا يزال الفضل لنا بذلك أبدا ، ولئن ظفر بك لا تزال لنا رئاسة نعرف بها ! فقال الأصم : يا قوم ، قد استشرت مفروقا فرأيته مخالفا لكم ، ولست مخالفا رأيه وما أشار إليه . فأقبلت تميم بجملين مجللين مقرونين مقيدين ، وقالوا : لا نولّي حتى يولي هذان الجملان ، وهما الزويران . فأخبرت بكر بقولهم الأصمّ ، فقال : وأنا زويركم ، إن حشّوهما فحشّوني « 1 » ، وإن عقروهما فاعقروني ! قال : والتقى القوم ، فاقتتلوا قتالا شديدا . قال : وأسرت القوم بنو تميم ، حرّاث بن مالك أخا مرة بن همام ، فركض به رجل منهم وقد أردفه ، واتبعه ابنه قتادة بن حراث ، حتى لحق الفارس الذي أسر أباه ، فطعنه فأراده عن فرسه ، واستنقذ أباه ، ثم استحرّ بين الفريقين القتال ، فانهزمت بنو تميم ، فقتل منهم مقتلة عظيمة . فممن قتل منهم : أبو الرئيس النهشلي . وأخذت بكر الزويرين ، أخذتهما بنو سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة ، فنحروا أحدهما فأكلوه وافتحلوا الآخر ، وكان نجيبا ، فقال رجل من بني سدوس : يا سلم إن تسألي عنّا فلا كشف * عند اللّقاء ولسنا بالمقاريف نحن الذين هزمنا يوم صبّحنا * جيش الزّويرين في جمع الأحاليف ظلّوا وظللنا نكر الخيل وسطهم * بالشّيب منّا وبالمرد الغطاريف « 2 » وقال الأغلب بن جشم العجلي : جاءوا بزويرهم وجئنا بالأصمّ * شيخ لنا قد كان من عهد إرم يكرّ بالسّيف إذا الرمح انحطم * كهمّة الليث إذا ما الليث همّ
--> ( 1 ) حشّ الدابة : علفها الحشيش . ( 2 ) المرد : جمع أمرد : وهو الذي طرّ شاربه وبلغ خروج لحيته ولم تبد .