أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

58

العقد الفريد

ابن زيد مناة ، فأخذ نعما كثيرا ، وسبى فيهنّ الزرقاء من بني ربيع بن الحارث ، فأعجب بها وأعجبت به ، وكانت خرقاء ، فلم يتمالك أن وقع بها ، فلما انتهى إلى جدود ، منعتهم بنو يربوع بن حنظلة أن يردوا الماء ، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب ، فقاتلوهم ، فلم يكن لبني بكر بهم يد ، فصالحوهم على أن يعطوا بني يربوع بعض غنائهم ، على أن يخلّوهم [ أن ] يردوا الماء ، فقبلوا ذلك وأجازوهم ، فبلغ ذلك بني سعد ، فقال قيس بن عاصم في ذلك : جزى اللّه يربوعا بأسوإ سعيها * إذا ذكرت في النائبات أمورها ويوم جدود قد فضحتم أباكم * وسالمتم والخيل تدمى نحورها فأجابه مالك : سأسأل من لاقى فوارس منقذ * رقاب إماء كيف كان نكيرها « 1 » ولما أتى الصريخ بني سعد ، ركب قيس بن عاصم في أثر القوم حتى أدركهم بالأشيمين ، فألح قيس على الحوفزان وقد حمل الزرقاء ، وكان الحوفزان قد خرج في طليعة ، فلقيه قيس بن عاصم فسأله من هو ، فقال : لا تكاتم اليوم ، أنا الحوفزان ، فمن أنت ؟ قال : أنا أبو علي . ومضى ، ورجع الحوفزان إلى أصحابه ، فقال : لقيت رجلا أزرق كأنّ لحيته ضريبة « 2 » صوف فقال : أنا أبو علي . فقالت عجوز من السبي : بأبي أبو علي ! ومن لنا بأبي علي ؟ فقال لها : ومن أبو علي ؟ قالت : قيس بن عاصم ! فقال لأصحابه : النجاء ! وأردف الزرقاء خلفه وهو على فرسه الزّبد ، وعقد شعرها إلى صدره ونجا بها . وكانت فرس قيس إذا أوعثت « 3 » قصّرت وتمطر عليها الزّبد ، فلما أجدّت « 4 » لحقت بحيث يكلم الحوفزان ، فقال قيس له : يا أبا حمار ، أنا خير لك من الفلاة والعطش ! قال له الحوفزان : ما شاء الزبد . فلما رأى قيس أن فرسه لا يلحقه ، نادى الزرقاء فقال : ميلي به يا جعار ! فلما سمعه الحوفزان ، دفعها

--> ( 1 ) النكير : الانكار ، والعقوبة الرادعة ( 2 ) الضريبة : القطعة ( 3 ) أوعثت : وقعت في الوعث ( 4 ) أجدّت : سلكت الجدد