أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

37

العقد الفريد

فلا تكفروه حقّ نعماه فيكم * ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما « 1 » فإن كان حيّا لم يضق بثوابه * ذراعا ، غنيّا كان أو كان معدما ففكّوا دريدا من إسار مخارق * ولا تجعلوا البؤسى إلى الشرّ سلّما فلما أصبحوا أطلقوه ، فكسته وجهزته ولحق بقومه ، فلم يزل كافّا عن حرب بني فراس حتى هلك . يوم الصلعاء « 2 » : لهوازن على غطفان فلما كان في العام المقبل غزاهم دريد بن الصمّة بالصّلعاء ، فخرجت إليه غطفان فقال دريد لصاحبه : ما ترى ؟ قال أرى خيلا عليها رجال كأنهم الصبيان ، أسنتها عند آذان خيلها . قال : هذه فزارة . ثم قال : انظر ما ترى ؟ قال : أرى قوما كأنّ عليهم ثيابا غمست في الجاديّ « 3 » . قال : هذه أشجع . ثم قال انظرهما ترى ؟ قال : أرى قوما يهزون رماحهم ، سودا ، يخدّون « 4 » الأرض بأقدامهم . قال : هذه عبس ، أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا ! فالتقوا بالصلعاء ، فكان الظفر لهوازن على غطفان وقتل دريد ذو أب بن أسماء بن زيد بن قارب . حرب قيس وكنانة يوم الكديد « 5 » : لسليم على كنانة فيه قتل ربيعة بن مكدّم فارس كنانة ، وهو من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة ، وهم أنجد العرب ، وكان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم ، وفيهم يقول علي بن أبي طالب لأهل الكوفة : وددت واللّه أن لي بجميعكم وأنتم مائة ألف ثلاثمائة من بني فراس بن غنم .

--> ( 1 ) التي تملأ الفما : أي تجعلكم حديث الناس ( 2 ) الصلعاء : رابية في ديار بني غطفان ( 3 ) الجاديّ : الزعفران ( 4 ) يخدّ الأرض : يحفرها ( 5 ) الكديد : موضع على اثنين وأربعين ميلا من مكة