أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
35
العقد الفريد
ثم حمل عليه فصرعه ، فلما أبطئا على دريد بعث فارسا لينظر ما صنعا ، فلما انتهى اليهما وجدهما صريعين ، ونظر إليه يقود ظعينته ويجر رمحه ، فقال له الفارس : خلّ عن الظعينة ! فقال للظعينة : اقصدي قصد البيوت ، ثم أقبل عليه فقال : ما ذا تريد من شتيم عابس * ألم تر الفارس بعد الفارس « 1 » أردهما عامل رمح يابس ثم حمل عليه فصرعه ، وانكسر رمحه . وارتاب دريد ، وظنّ أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل ، فلحق دريد ربيعة وقد دنا من الحي ، ووجد أصحابه قد قتلوا : فقال : أيها الفارس ، إنّ مثلك لا يقتل ، ولا أرى معك رمحك ، والخيل ثائرة بأصحابها [ وأراك حديث السنّ ] فدونك هذا الرمح ، فإني منصرف إلى أصحابي فمثبّطهم عنك . فانصرف إلى أصحابه فقال : إن فارس الظعينة قد حماها وقتل أصحابكم وانتزع رمحي ، ولا مطمع لكم فيه ! فانصرف القوم ، وقال دريد في ذلك : ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * حامي الظّعينة فارسا لم يقتل أردى فوارس لم يكونوا نهزة * ثم استمرّ كأنه لم يفعل « 2 » متهلّلا تبدو أسرّة وجهه * مثل الحسام جلته كفّ الصّيقل « 3 » يزجي ظعينته ويسحب رمحه * متوجّها يمناه نحو المنزل وترى الفوارس من مهابة رمحه * مثل البغاث خشين وقع الأجدل « 4 » يا ليت شعري من أبوه وأمّه * يا صاح من يك مثله لا يجهل وقال ابن مكدم :
--> ( 1 ) الشتيم : الأسد العابس ( 2 ) النهزة : الشيء الذي هو لك معرض كالغنيمة ( 3 ) الصيقل : الذي يصقل السيوف ويشحذها ( 4 ) البغاث من الطير : ألأمها وشرارها . والأجدل : الصقر