أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
237
العقد الفريد
باب ما غلط فيه على الشعراء وأكثر ما أدرك على الشعراء له مجاز وتوجيه حسن ، ولكن أصحاب اللغة لا ينصفونهم ، وربما غلطوا عليهم وتأوّلوا غير معانيهم التي ذهبوا إليها ؛ فمن ذلك قول سيبويه واستشهد ببيت في كتابه في إعراب الشيء على المعنى لا على اللفظ وأخطأ فيه : معاوي إنّنا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا « 1 » كذا رواه سيبويه على النصب ، وزعم أن إعرابه على معنى الخبر الذي في « ليس » ، وإنما قاله الشاعر على الخفض ، والشعر كله مخفوض ، فما كان يضطره أن ينصب هذا البيت ويحتال على إعرابه بهذه الحيلة الضعيفة ، وإنما الشعر : معاوي إنّنا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديد أكلتم أرضنا فجردتموها * فهل من قائم أو من حصيد أتطمع في الخلود إذا هلكنا * وليس لنا ولا لك من خلود فهبنا أمّة هلكت ضياعا * يزيد أميرها وأبو يزيد ونظير هذا البيت ما ذكره في كتابه أيضا واحتج به في باب النون الخفيفة : ثبتّم ثبات الخيزرانيّ في الثّرى * حديثا متى ما يأتك الخير ينفعا « 2 » وهذا البيت للنجاشي ، وقد ذكره عمرو بن بحر الجاحظ في فخر قحطان على عدنان في شعر كله مخفوض وهو : أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن * بني عامر عنّي يزيد بن صعصع ثبتّم ثبات الخيزراني في الثّرى * حديثا متى ما يأتك الخير ينفع
--> ( 1 ) أسجح : أحسن العفو وتكرم . ( 2 ) الثرى : الأرض