أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
231
العقد الفريد
فلما تلاقينا عرفت الذي بها * كمثل الذي حذوك النّعل بالنّعل قال : ما زال يهذي حتى قال الشعر ! وقالت العلماء : ما عصي اللّه بشعر ما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة ! وولد عمر بن أبي ربيعة يوم مات عمر بن الخطاب ، فسمّي باسمه ؛ فقالت العلماء : أي خير رفع ، وأيّ شرّ وضع ! ثم إنه تاب في آخر أيامه وتنسك ، ونذر للّه أن يعتق للّه رقبة لكل بيت يقوله ؛ وانه حج ، فبينما هو يطوف بالبيت إذ نظر إلى فتى من نمير يلاحظ جارية في الطّواف ؛ فلما رأى ذلك منه مرار ، أتاه ، فقال له يا فتى ، أما رأيت تصنع ؟ فقال له الفتى : يا أبا الخطاب لا تعجل عليّ ؛ فإن هذه ابنة عمي ، وقد سمّيت لي ، ولست أقدر على صداقها ، ولا اظفر منها بأكثر مما ترى ؛ وانا فلان بن فلان ، وهذه فلانة ابنة فلان . فعرفهما عمر ، فقال له : اقعد يا ابن أخي عند هذه السارية « 1 » حتى يأتيك رسولي . ثم ركب دابته حتى أتى منزل عمّ الفتى ، فقرع الباب فخرج اليه الرجل ، فقال : ما جاء بك يا ابا الخطاب في مثل هذه الساعة ؟ قال : حاجة عرضت قبلك في هذه الساعة . قال : هي مقضية . قال عمر : كائنة ما كانت ؟ قال : نعم ! قال : فإني قد زوّجت ابنتك فلانة من ابن أخيك فلان : قال : فإني قد أجزت ذلك . فنزل عمر عن دابته ، ثم أرسل غلاما إلى داره فأتاه بألف درهم فساقها عن الفتى ، ثم أرسل إلى الفتى فأتاه ، فقال لأبي الجارية : أقسمت عليك إلا ما ابتنى بها هذه الليلة ! قال له : نعم فلما أدخلت على الفتى انصرف عمر إلى داره مسرورا بما صنع ، فرمى بنفسه على فراشه وجعل يتململ « 2 » ، ووليدة له عند رأسه ، فقالت : يا سيدي ، أرقت هذه الليلة أرقا لا أدري ما دهمك ؟ فأنشأ يقول : تقول وليدتي لمّا رأتني * طربت وكنت قد أقصرت حينا
--> ( 1 ) السارية : الأسطوانة ، والقائمة . ( 2 ) يتململ : يتقلب على فراشه متألما من مرض أو غم أو نحوهما .