أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
18
العقد الفريد
أربعين ليلة ، وفي طرف الغاية شعاب كثيرة ، فأكمن حمل بن بدر في تلك الشعاب فتيانا على طريق الفرسين ، وأمرهم إن جاء داحس سابقا يردّوا وجهه عن الغاية . قال : فأرسلوهما فأحضرا « 1 » ، فلما أحضرا خرجت الأنثى من الفحل ، فقال حمل بن بدر : سبقتك يا قيس ! فقال قيس : رويدا يعدوان الجدد « 2 » إلى الوعث وترشح أعطاف الفحل . قال : فلما أوغلا في الجدد وخرجا إلى الوعث ، برز داحس عن الغبراء ، فقال قيس : جري المذكيات « 3 » غلاء « 4 » . فذهبت مثلا ، فلما شارف داحس الغاية ودنا من الفتية ، وثبوا في وجه داحس فردّوه عن الغاية ، ففي ذلك يقول قيس ابن زهير : وما لا لاقيت من حمل بدر * وإخوته على ذات الإصاد « 5 » هم فخروا عليّ بغير فخر * وردوا دون غايته جوادي وثارت الحرب بين عبس وذبيان ابني بغيض ، فبقيت أربعين سنة لم تنتج لهم ناقة ولا فرس ، لاشتغالهم بالحرب ، فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حق السبق ، فقال قيس : كلا لا مطلتك به . ثم أخذ الرمح فطعنه به فدق صلبه ، ورجعت فرسه عارية ، فاجتمع الناس فاحتملوا دية مالك مائة عشراء - وزعموا أن الربيع بن زياد العبسي حملها وحده - فقبضها حذيفة ، وسكن الناس . ثم إن مالك بن زهير نزل اللّقاطة « 6 » من أرض الشربة ، فأخبر حذيفة بمكانه ، فعدا عليه فقتله . ففي ذلك يقول عنترة الفوارس : فلله عينا من رأى مثل مالك * عقيرة قوم أن جرى فرسان « 7 »
--> ( 1 ) الإحضار : ارتفاع الفرس في عدوه . ( 2 ) الجدد : قضاء لا نبت فيه ، والوعث السهل الكثير الدهس تغيب فيه الأقدام . ( 3 ) المذكيات من الخيل : التي قد أتى عليها بعد تروحها سنة أو سنتان . ( 4 ) غلاء : جمع غلوة : أي أن جريها يكون غلوات ، أي مغالبة ( 5 ) الإصاد : الماء الذي لطم عليه داحس . ( 6 ) اللقاطة : الموضع الذي قتل فيه مالك بن زهير ( 7 ) العقيرة : الرجل الشريف يقتل