أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

200

العقد الفريد

بقرطبة قلبي وجسمي ببلدة * نأيت بها عن أهل ودّي ومعشري « 1 » سقى اللّه من مزن السحائب ثرّة * دياركم اللاتي حوت كل جؤذر « 2 » بحق الهوى أقر السلام على التي * اهيم بها عشقا إلى يوم محشري لئن غبت عنها فالهوى غير غائب * مقيم بقلب الهائم المنفطر كأن لم أبت في ثوبها طول ليلة * إلى أن بدا وجه الصباح المنوّر وعانقت غصنا فيه رمّان فضّة * وقبلت ثغرا ريقه ريق سكر أأنسى ولا أنسى عناقك خاليا * وضمّي ونقلي نظم درّ وجوهر فوا حزني أن فرّق الدهر بيننا * وكدّر وصلا منك غير مكدّر لقد غرّرت نفسي بحبك ضلة * ولو علمت عقبى الهوى لم تغرّر « 3 » بكيت فما أغنى البكا عند صحبتي * وشوقي إلى رئم من الإنس أحور « 4 » سلام سلام ألف ألف يكرر * ويا حاملا عني الرسالة كرّر ألا يا نسيم الريح بلّغ سلامنا * وصف كلّ ما يلقى الغريب وخبّر وقل لشعاع الشمس بلّغ تحيتي * سميّك واقرأها على آل جعفر وقال أيضا : أقر السلام على إلف كلفت به * قد رمت صبرا وطول الشوق لم يرم ظبي تباعد عن قربي وعن نظري * فالنفس والهة من شدة الألم كنا كروحين في جسم غذاؤهما * ماء المحبة من هام ومنسجم إلفين هذا بهذا مغرم كلف * لا واحد في الهوى منا بمتّهم « 5 » للّه تلك الليالي والسرور بها * كأنما أبصرتها العين في الحلم ففرق الدهر شملا كان ملتئما * منا وجمّع شملا غير ملتئم

--> ( 1 ) نأيت : ابتعدت . ( 2 ) الثّرة : الصبّة . يقال ثرّت السحابة ماءها : أي صبته . ( 3 ) عقبى الهوى : عاقبته . ( 4 ) الرئم : الظبي الخالص البياض ، أو ولد الظبي . وتشبه به الحسقاء . ( 5 ) الكلف : الصبّ .