أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

81

العقد الفريد

فكتب إليه معاوية : سلام عليك : أما بعد ، فلعمري لو بايعك الذين ذكرت وأنت بريء من دم عثمان ، لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان ، ولكنك أغريت بدم عثمان [ المهاجرين ] وخذّلت [ عنه ] الأنصار ، فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف ، وقد أبي أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين ، وإنما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحقّ فيهم ، فلما فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام ، ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة ، [ لأن أهل البصرة أطاعوك ولم يطعك أهل الشام ] ؛ ولا حجتك عليّ كحجتك على طلحة والزبير ، لأنهما بايعاك ولم أبايعك أنا ، فأما فضلك في الإسلام ، وقرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلست أدفعه ! فكتب إليه عليّ : أما بعد ، فقد أتانا كتابك ، كتاب امرئ ليس له بصر يهديه ، ولا قائد يرشده ، دعاه الهوى فأجابه ، وقاده فاتبعه ؛ زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خفوري « 1 » لعثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين ، أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا ؛ وما كان اللّه ليجمعهم على ضلالة ، ولا ليضربهم بالعمى وما أمرت فلزمتني خطيئة الأمر ، ولا قتلت فأخاف على نفسي قصاص القاتل . وأما قولك إن أهل الشام هم حكام أهل الحجاز ، فهات رجلا من أهل الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة ، فإن سمّيت كذّبك المهاجرون والأنصار ، ونحن نأتيك به من قريش الحجاز . وأما قولك ادفع إليّ قتلة عثمان ، فما أنت وذاك ؟ وهاهنا بنو عثمان ، وهم أولى بذلك منك ، فإن زعمت أنك أقوى على طلب دم عثمان منهم فارجع إلى البيعة التي لزمتك وحاكم القوم إليّ .

--> ( 1 ) يقال : أخفر الذمة ، إذا لم يف بها .