أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
70
العقد الفريد
فكان إذا أمسكوه فتر الدم ، وإذا تركوه انفجر ؛ فقال لهم : اتركوه ، فإنما هو سهم أرسله اللّه ! حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال : قال طلحة يوم الجمل : ندمت ندامة الكسعيّ لمّا * طلبت رضا بني حزم برغمي « 1 » اللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى ! ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة قال : لما رأى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عبيد اللّه ، قال : لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان ! فانتزع « 2 » له سهما فقتله . ومن حديث سفيان الثوري قال : لما انقضى يوم الجمل خرج عليّ بن أبي طالب في ليلة ذلك اليوم ومعه مولاه وبيده شمعة يتصفح وجوه القتلى ، حتى وقف على طلحة ابن عبيد اللّه في بطن واد متعفرا ، فجعل يمسح الغبار عن وجهه ويقول : أعزز عليّ يا أبا محمد أن أراك متعفرا تحت نجوم السماء وفي بطون الأودية ، إنا للّه وإنا إليه راجعون ! أشقيت نفسي ، وقتلت معشري ! إلى اللّه أشكو عجري وبجري « 3 » ! ثم قال : واللّه إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال اللّه فيهم : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ « 4 » . وإذا لم نكن نحن فمن هم ؟ أبو إدريس عن ليث بن طلحة عن مطرف أن علي بن أبي طالب أجلس طلحة يوم الجمل ومسح الغبار عن وجهه وبكى عليه ! ومن حديث سفيان ، أن عائشة ابنة طلحة كانت ترى في نومها طلحة ، وذلك بعد موته بعشرين يوما ؛ فكان يقول لها : يا بنيّة ، أخرجيني من هذا الماء الذي يؤذيني ! فلما
--> ( 1 ) الكسعي : يضرب به المثل في الندامة . ( 2 ) العجر والبجر : العيوب والأحزان . ( 3 ) انتزع له سهما : رماه به . ( 4 ) سورة الحجر الآية 47 .