أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
67
العقد الفريد
من السابق ، يقال : كاد أو لحق ؛ وقد بلغك الذي كان في الإسلام من مصاب عثمان ابن عفان ؛ ونحن قادمون عليك ، والعيان أشفى لك من الخبر . فإذا أتاك كتابي هذا فثبّط « 1 » الناس عن علي بن أبي طالب ، وكن مكانك حتى يأتيك أمري ، والسلام . فكتب إليها : من زيد بن صوحان إلى عائشة أم المؤمنين ، سلام عليك ؛ أما بعد ، فإنك أمرت بأمر وأمرنا بغيره : أمرت أن تقرّي في بيتك ، وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة ؛ فتركت ما أمرت به ؛ وكتبت تنهيننا عما أمرنا به ، والسلام . وخطب علي رضي اللّه عنه بأهل الكوفة يوم الجمل إذا أقبلوا إليه مع الحسن بن علي ، فقام فيهم خطيبا فقال : الحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على محمد خاتم النبيين وآخر المرسلين ؛ أما بعد ؛ فإن اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلم إلى الثقلين كافة ، والناس في اختلاف ؛ والعرب بشرّ المنازل ، مستضعفون لما بهم ، فرأب اللّه به الثأي ، ولأم به الصدع ، ورتق به الفتق ، وأمّن به السبيل ، وحقن به الدماء ، وقطع به العداوة الموغرة للقلوب ، والضغائن المشحنة « 2 » للصدور ؛ ثم قبضه اللّه تعالى مشكورا سعيه . مرضيا عمله ، مغفورا ذنبه ، كريما عند اللّه نزله ؛ فيا لها مصيبة عمت المسلمين ، وخصت الأقربين ، وولي أبو بكر ، فسار فينا بسيرة رضا ، رضي بها المسلمون ؛ ثم ولي عمر ، فسار بسيرة أبي بكر رضي اللّه عنهما ؛ ثم ولي عثمان ، فنال منكم ونلتم منه ؛ ثم كان من أمره ما كان ، فأتيتموه فقتلتموه ، ثم أتيتموني فقلتم : لو بايعتنا ! فقلت : لا أفعل ، وقبضت يدي فبسطتموها ، ونازعتكم كفي فجذبتموها ، وقلتم : لا نرضى إلا بك ، ولا نجتمع إلا عليك ، وتداككتم عليّ تداكك « 3 » الإبل الهيم « 4 » على حياضها يوم ورودها ، حتى
--> ( 1 ) ثبّط : عوّق وبطأ . ( 2 ) المشحنة : الموغرة . ( 3 ) التداكك : الازدحام . ( 4 ) الهيم : جمع الأهيم ، وهو العطشان .