أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
354
العقد الفريد
فكذلك ! سبق الباذل نفسه فضل أبي بكر وعمر ، قلت : أجل . قال : يا إسحاق ، هل تقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : اقرأ عليّ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 1 » فقرأت منها حتى بلغت : يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً « 2 » إلى قوله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً « 3 » قال : على رسلك ؛ فيمن أنزلت هذه الآيات ؟ قلت : في عليّ . قال : فهل بلغك أن عليا حين أطعم المسكين واليتيم والأسير . قال إنما نطعمكم لوجه اللّه ؟ وهل سمعت اللّه وصف في كتابه أحدا بمثل ما وصف به عليا ؟ قلت : لا . قال : صدقت ! لأن اللّه جل ثناؤه عرف سيرته . يا إسحاق ، ألست تشهد أن العشرة في الجنة ؟ قلت : بلى يا أمير المؤمنين . قال : أرأيت لو أنّ رجلا قال : واللّه ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا ، ولا أدري إن كان رسول اللّه قاله أم لم يقله : أكان عندك كافرا ؟ قلت : أعوذ باللّه ! قال : أرأيت لو أنه قال : ما أدري هذه السورة من كتاب اللّه أم لا ، كان كافرا ؟ قلت : نعم . قال : يا إسحاق ، أرى بينهما فرقا . يا إسحاق ، أتروي الحديث ؟ قلت : نعم . قال : فهل تعرف حديث الطير ؟ قلت : نعم . قال : فحدّثني به . قال : فحدّثته الحديث ، فقال : يا إسحاق ، إني كنت أكلمك وأنا أظنك غير معاند للحق ، فأمّا الآن فقد بان لي عنادك ؛ إنك توقن أن هذا الحديث صحيح . قلت : نعم ؛ رواه من لا يمكنني ردّه . قال : أفرأيت من أيقن أن هذا الحديث صحيح ، ثم زعم أن أحدا أفضل من عليّ - لا يخلو من إحدى ثلاثة : من أن تكون دعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عنده مردودة عليه ، أو أن يقول عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحب إليه ، أو أن يقول إن اللّه عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول ؛ فأي الثلاثة أحب إليك أن تقول ؟ فأطرقت . . . ثم قال : يا إسحاق ، لا تقل منها شيئا ؛ فإنك إن قلت منها شيئا استنبتك « 4 » ؛ وإن كان للحديث عندك
--> ( 1 ) سورة الانسان الآية 1 . ( 2 ) سورة الانسان الآية 5 . ( 3 ) سورة الإنسان الآية 8 . ( 4 ) استنبتك : أنبتك ، أقمتك مقامي .