أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
351
العقد الفريد
وعلة العلة ؛ وهو مطرق لا يتكلم ، حتى إذا انقطع الكلام التفت إلى يحيى فقال : يا أبا محمد ، أصبت الجواب وتركت الصواب في العلة . ثم لم يزل يردّ على كل واحد منا مقالته ، ويخطّئ بعضنا ويصوّب بعضنا ؛ حتى أتى على آخرنا ، ثم قال : إني لم أبعث فيكم لهذا ، ولكنني أحببت أن أنبئكم أن أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه والذي يدين اللّه به . قلنا : فليفعل أمير المؤمنين وفقه اللّه . فقال : إن أمير المؤمنين يدين اللّه على أنّ عليّ بن أبي طالب خير خلق اللّه بعد رسوله صلّى اللّه عليه وسلم وأولى الناس بالخلافة له . قال إسحاق : فقلت يا أمير المؤمنين ، إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في عليّ ، وقد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة . فقال يا إسحاق ، اختر ، إن شئت سألتك أسألك ، وإن شئت أن تسأل فقل . قال إسحاق : فاغتنمتها منه ، فقلت : بل أسألك يا أمير المؤمنين . قال : سل . قلت : من أين قال أمير المؤمنين إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول اللّه وأحقهم بالخلافة بعده ؟ قال : يا إسحاق ، خبّرني عن الناس : بم يتفاضلون حتى يقال فلان أفضل من فلان ؟ قلت : بالأعمال الصالحة : قال : صدقت ، قال : فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم إن المفضول عمل بعد وفاة رسول اللّه بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول اللّه - أيلحق به ؟ قال : فأطرقت ، فقال لي : يا إسحاق ، لا تقل نعم ؛ فإنك إن قلت نعم أوجدتك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهادا وحجا وصياما وصلاة وصدقة . فقلت أجل يا أمير المؤمنين ، لا يلحق المفضول على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الفاضل أبدا . قال : يا إسحاق ، فانظر ما رواه لك أصحابك ومن أخذت عنهم دينك وجعلتهم قدوتك من فضائل عليّ بن أبي طالب ؛ فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر ، فإن رأيت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل علي ، فقل إنه أفضل منه ، لا واللّه ، ولكن فقس إلى فضائله ما روي لك من فضائل أبي بكر وعمر ، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعلي وحده ، فقل إنهما أفضل منه ؛ ولا واللّه ، ولكن قس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ، فإن وجدتها مثل فضائل عليّ ، فقل إنهم أفضل منه ؛ لا واللّه ، ولكن قس بفضائل العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم