أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
346
العقد الفريد
مبهمة ، وكتب بها إلى أبي جعفر وهي هذه : أسرفت في قتل الرّعيّة ظالما * فاكفف يديك أضلّها مهديّها فلتأتينّك راية حسنيّة * جرّارة يقتادها حسنيّها فالتفت أبو جعفر ، فقال لحازم بن خزيمة : تهيأ بهيئة السفر متنكرا ، حتى إذا لم يبق إلا أن تضع رجلك في الغرز « 1 » ائتني ، ففعل ، فقال : إذا أتيت المدينة فادخل مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فدع سارية ؛ وثانية فإنك تنظر عند الثالثة إلى شيخ آدم يكثر التلفت ، طويل كبير ، فاجلس معه فتوجع لآل أبي طالب ، واذكر شدّة الزمان عليهم ، ثلاثة أيام ؛ ثم قل في الرابع : من يقول هذه الأبيات ؟ أسرفت في قتل الرّعيّة ظالما قال : ففعل ، فقال له الشيخ : إن شئت نبأتك من أنت ؟ أنت حازم بن خزيمة ، بعثك إليّ أمير المؤمنين لتعرف من قال هذا الشعر ؛ فقل له : جعلت فداك ، واللّه ما قلته ولا قاله إلا سديف بن ميمون ، فإني أنا القائل وقد دعوني إلى الخروج مع محمد بن عبد اللّه : دعوني وقد سالت لإبليس راية * وأوقد للغاوين نار الحباحب « 2 » أباللّيث تعترّون يحمي عرينه * وتلقون جهلا أسده بالثعالب فلا نفعتني السّنّ إن لم يؤزكم * ولا أحكمتني صادقات التجارب « 3 » قال : وإذا الشيخ إبراهيم بن هرمة . قال : فقدمت على المنصور فأخبرته الخبر ، فكتب إلى عبد الصمد بن علي ، وكان سديف في حبسه ، فأخذه فدفنه حيا .
--> ( 1 ) الغرز : ركاب الرحل من جلد مخروز يعتمد عليه في الركوب . ( 2 ) الحباحب : ما اقتدح من شرر النار في الهواء من تصادم الحجارة . ( 3 ) الأزّ : الحركة الشديدة .