أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

344

العقد الفريد

وصيتي إياك ، لا كما أوصى بها يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة حين وجهه إلى المدينة وأمره أن يقتل من ظهر إلى ثنيّة الوداع ، وأن يبيحها ثلاثة أيام ، ففعل ، فلما بلغ يزيد ما فعله تمثل بقول ابن الزبعرى في يوم أحد ، حيث قال . ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل « 1 » ثم اكتب إلى أهل مكة بالعفو عنهم والصفح ، فإنهم آل اللّه وجيرانه وسكان حرمه وأمنه ، ومنبت القوم والعشيرة ، وعظماء البيت والحرم ، لا تلحد فيه بظلم ؛ فإنه حرم اللّه الذي بعث منه محمدا نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، وشرف به آباءنا بتشريف اللّه إيانا ؛ فهذه وصيتي ، لا كما أوصى به الذي وجّه الحجاج إلى مكة ، فأمره أن يضع المجانيق على الكعبة ، وأن يلحد في الحرم بظلم ، ففعل ذلك ، فلما بلغه الخبر تمثل بقول عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا لنا الدنيا ومن أضحى عليها * ونبطش حين نبطش قادرينا عيسى بن موسى ووصيته المنصور : الرياشي قال : قال عيسى بن موسى : لما وجّهني المنصور إلى المدينة في حرب بني عبد اللّه بن الحسن ، جعل يوصيني ويكثر ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إلى كم توصيني ؟ إني أنا السيف الحسام الهندي * أكلت جفني وفريت غمدي « 2 » فكلّ ما تطلب مني عندي تفضيل معاوية للحسن : وقال معاوية يوما لجلسائه : من أكرم الناس أبا وأمّا ، وجدّا وجدة ، وعمّا وعمة ، وخالا وخالة ؟ فقالوا : أمير المؤمنين أعلم . فأخذ بيد الحسن بن علي وقال : هذا ؛ أبوه

--> ( 1 ) الأسل : الرماح والنبل . ( 2 ) فرى : فتت .