أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

337

العقد الفريد

تركك ذلك ؛ ثقة بك ؛ لقرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وموضعك الذي وضعك اللّه فيه . قال : فإني أفعل ! فبايع محمدا وخلع أبا جعفر ، وبايعه سلم من بعده ، وأخذ كتبه وكتب إبراهيم ومحمد ، فخرج فقدم على أبي جعفر وقد حضر الموسم ، فأخبره بحقيقة الأمر ويقينه . فلما دخل أبو جعفر المدينة ، أرسل إلى بني الحسن فجمعهم ، وقال لسلم : إذا رأيت عبد اللّه عندي فقم على رأسي وأشر إليّ بالسلاح ، ففعل ، فلما رآه عبد اللّه سقط « 1 » في يده وتغيّر وجهه ، قال له أبو جعفر : مالك أبا محمد ؟ أتعرفه ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، فأقلني وصلتك رحم ! فقال له أبو جعفر : هل علمت أنك تعرف موضع ولديك ، وأنه لا عذر لك ؟ وقد باح السر ؛ فأظهرهما لي ، ولك أن أصل رحمك ورحمهما ، وأن أعظم ولا يتهما ، وأعطى كلّ واحد منهما ألف ألف درهم ، فتراجع عبد اللّه حتى انكفأ « 2 » على ظهره ، وبنو حسن اثنا عشر رجلا ، فأمر بحبسهم جميعا . وخرج أبو جعفر فعسكر من ليلته على ثلاثة أميال من المدينة ، وعبّى « 3 » على القتال ، ولم يشكّ أن أهل المدينة سيقاتلونه في بني حسن ، فعبّى ميمنة وميسرة وقلبا ، وتهيأ للحرب ، وأجلس في مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم عشرين معطيا يعطون العطايا ، فلم يتحرّك عليه منهم أحد ثم مضى بهم إلى مكة . كتاب أبي جعفر إلى محمد بن عبد اللّه : فلما انصرف أبو جعفر إلى العراق ، خرج محمد بن عبد اللّه بالمدينة ، فكتب إليه أبو جعفر : من عبد اللّه أمير المؤمنين ، إلى محمد بن عبد اللّه : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ

--> ( 1 ) سقط في يده : ندم وتحير . ( 2 ) انكفأ على ظهره : مال . ( 3 ) عبى : هيأ .