أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
322
العقد الفريد
ثدييها ؛ ثم أجلسها معه ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، أيعدو علينا الزمان ويجفونا خوفا لك الأعوان ، ويحردك « 1 » عنا البهتان وقد ربيتك في حجري ، وأخذت برضاعك الأمان من عدوي ودهري ؟ فقال لها : وما ذلك يا أم الرشيد ؟ قال سهل : فآيسني من رأفته ، بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني من برّه بها أولا ، قالت : ظئرك « 2 » يحيى وأبوك بعد أبيك ، ولا أصفه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته ، وإشفاقه عليه ، وتعرّضه للحتف في شأن موسى أخيه . قال لها : يا أمّ الرشيد ، أمر سبق ، وقضاء حمّ ، وغضب من اللّه نفذ ! قالت : يا أمير المؤمنين ، يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب ، قال : صدقت . فهذا مما لم يمحه اللّه ! فقالت : الغيب محجوب عن النبيين ، فكيف عنك يا أمير المؤمنين ؟ قال سهل بن هارون : فأطرق الرشيد مليا ، ثم قال : وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع فقالت بغير روية : ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين ، وقد قال الأول : وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الأعمال هذا بعد قول اللّه عز وجل : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 3 » . فأطرق هارون مليا ، ثم قال : يا أمّ الرشيد ، أقول ، إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد * إليه بوجه آخر الدّهر تقبل فقالت : يا أمير المؤمنين ، وأقول : ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتني * يمينك ، فانظر أيّ كف تبدّل قال هارون : رضيت ! قالت : فهبه لي يا أمير المؤمنين ؛ فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من ترك شيئا للّه لم يوجده اللّه لفقده . فأكب هارون مليا ، ثم رفع رأسه يقول : للّه
--> ( 1 ) يحردك : يمنعك . ( 2 ) ظئرك : زوج مرضعتك . ( 3 ) سورة آل عمران الآية 134 .