أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

320

العقد الفريد

قال سهل : فكنت كمن نشر « 1 » عن كفن وأخرج من حبس ؛ وأحصيت حباءهما فوجدته عشرين ألف ألف دينار ، ثم قفلت راجعا إلى بغداد . وفرّق البرد « 2 » إلى الأمصار بقبض أموالهم وغلاتهم ، وأمر بجيفة جعفر وجثته ففصلت على ثلاثة جذوع : رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الصّراة « 3 » ، وبعض جسده على جذع بالجزيرة ، وسائره في جذع على آخر الجسر الثاني مما يلي باب بغداد . فلما دنونا من بغداد ، طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر ، واستقبلنا وجهه واستقبلته الشمس ؛ فو اللّه لخلتها تطلع من بين حاجبيه ؛ فأنا عن يمينه وعبد الملك بن الفضل الحاجب عن يساره ، فلما نظر إليه الرشيد - وكأنما قنأ « 4 » شعره وطلى بنور بشره - اربدّ « 5 » وجهه وأغضى بصره ؛ فقال عبد الملك بن الفضل : لقد عظم ذنب لم يسعه أمير المؤمنين ! قال الرشيد : من يرد غير مائة يصدر بمثل دائه ، ومن أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته ؛ عليّ بالنضاحات « 6 » . فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها وهو يقول : لئن ذهب أثرك لقد بقي خبرك ، ولئن حط قدرك لقد علا ذكرك ! قال سهل بن هارون : وأمر بضم أموالهم ، فوجد من العشرين ألف ألف التي كانت مبلغ جبايتهم ، اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها « 7 » صكوك مختومة تفسيرها رقيما حبوا بها . فما كان منها حباء على غريبة ، أو استطراف ملحة ؛ تصدق به يحيى وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها ، فكان ديوان إنفاق واكتساب فائدة .

--> ( 1 ) نشر : بعث . ( 2 ) البرد : جمع بريد وهي الرسائل . ( 3 ) الصراة : نهر بالعراق . ( 4 ) قنأ شعره : سوّده بالخضاب . ( 5 ) اربدّ وجهه : أحمر . ( 6 ) النضاحة : آلة تسوى من النحاس للنفط . ( 7 ) البدر : جمع بدرة ، وهي كيس فيه مقدار من المال يتعامل به ، ويقدم في العطايا .