أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

318

العقد الفريد

قال سهل بن هارون : إني لأحصّل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في بناء خلا به داخل سرادقه ، وهو مع الرشيد بالرقة وهو يعقدها جملا بكفه ، إذ عشيته سآمة فأخذته سنة « 1 » فغلبته عيناه ، فقال : ويحك يا سهل ! طرق النوم شفري « 2 » ، وحلت السّنة جفنيّ ، فما ذلك ؟ قلت : ضيف كريم ، إن قريته روّحك وإن منعته عنّتك ، وإن طردته طلبك ، وإن أقصيته أدركك ، وإن غالبته غلبك ! قال : فنام أقلّ من فواق « 3 » بكية ، أو نزع ركيّة « 4 » ؛ ثم انتبه مذعورا ، فقال : يا سهل لأمر ما كان ! واللّه لقد ذهب ملكنا ، وولى عزّنا ، وانتقصت أيام دولتنا ! قلت : وما ذاك أصلح اللّه الوزير ؟ قال : كأنّ منشدا أنشدني : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر « 5 » فأجبته من غير روية ولا إجالة فكرة : بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر قال : فو اللّه ما زلت أعرفها منه وأراها ظاهرة فيه إلى الثالث من يومه ذلك فإني لفي مقعدي بين يديه أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه ، قد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها ، إذ وجدت رجلا سعى إليه حتى ارتمى مكبا عليه ، فرفع رأسه فقال : مهلا ويحك ! ما اكتتم خير ولا استتر شرّ . قال : قتل أمير المؤمنين جعفرا الساعة ! قال : أو قد فعل ؟ قال : نعم . قال : فما زاد أن رمى القلم من يده ، وقال : هكذا تقوم الساعة بغتة . قال سهل بن هارون : فلو انكفأت « 6 » السماء على الأرض ما زاد . فتبرأ منهم الحميم واستبعد عن نسبهم القريب ، وجحد ولاءهم المولى واستعبرت لفقدهم الدنيا ، فلا لسان يخطر بذكرهم ، ولا طرف ناظر يشير إليهم .

--> ( 1 ) السنة : النعاس . ( 2 ) الشّفر : حرف كل شيء . وشغر الجفن : حرفه الذي ينبت عليه الهدب . ( 3 ) الفواق : ما بين الحلبتين من الوقت . ( 4 ) الركيّة : البئر . ( 5 ) الحجون : جبل بأعلى مكة . ( 6 ) انكفأت السماء : مالت .