أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
312
العقد الفريد
المسجد : أكثر اللّه فينا أمثالك ! قال : لقد سألتم اللّه شططا « 1 » . ومعبد بن زرارة ، كان ذات يوم جالسا على الطريق ، فمرّت به امرأة فقالت : يا عبد اللّه ، أين الطريق إلى مكان كذا ؟ فغضب وقال : أمثلي يقال له يا عبد اللّه ؟ وأبو سماك الحنفي ، أضلّ ناقته فقال : واللّه لئن لم يردّها عليّ لا صليت له أبدا فلما وجدها قال : علم أنّ يميني كانت برّة « 2 » ! قال ناقل الحديث : ونسي الحجاج نفسه وهو خامس الأربعة ، بل هو أفسقهم وأطغاهم وأعظمهم إلحادا وأكفرهم في كتابه إلى عبد الملك ابن مروان : إنّ خليفة اللّه في أرضه أكرم عليه من رسوله إليهم . وكتابه إليه وبلغه أنه عطس يوما فحمد اللّه وشمّته أصحابه فردّ عليه ودعا لهم . فكتب إليه : بلغني ما كان من عطاس أمير المؤمنين ، ومن تشميت أصحابه له وردّه عليهم ؛ فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما . الحجاج وأسرى الجماجم : وكان عبد الملك كتب إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف ، « فمن أقرّ منهم بالكفر بخروجه علينا فخلّ سبيله ، ومن زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه » ففعل ، فلما عرضهم أتي بشيخ وشاب ، فقال للشاب : أمؤمن أنت أم كافر ؟ قال : بل كافر : فقال الحجاج : لكن الشيخ لا يرضى بالكفر ! فقال له الشيخ : أعن نفسي تخادعني يا حجاج ؟ واللّه لو كان شيء أعظم من الكفر لرضيت به ! فضحك الحجاج وخلى سبيلهما .
--> ( 1 ) الشطط : البعد ، ومجاوزة الحدّ ، والجور . ( 2 ) اليمين كانت برّة : أي صادقة .