أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

296

العقد الفريد

الحجاج قد أضرّ به أو أساء جواره . وقد كتبت في ذلك كتابين ، كتابا إلى أنس بن مالك ، والآخر إلى الحجاج ؛ فاقبضهما ثم اخرج على البريد فإذا وردت العراق فابدأ بأنس بن مالك فادفع له كتابي ، وقل له : اشتدّ على أمير المؤمنين ما كان من الحجاج إليك ، ولن يأتي إليك أمر تكرهه إن شاء اللّه ، ثم ائت الحجاج فادفع إليه كتابه ، وقل له : قد اغتررت بأمير المؤمنين غرّة « 1 » لا أظنه يخطئك شرّها . ثم افهم ما يتكلم به وما يكون منه ، حتى تفهمني إياه إذا قدمت عليّ إن شاء اللّه . قال إسماعيل : فقبضت الكتابين وخرجت على البريد ، حتى قدمت العراق فبدأت بأنس بن مالك في منزله ، فدفعت إليه كتاب أمير المؤمنين ، وأبلغته رسالته ؛ فدعا له وجزاه خيرا ؛ فلما فرغ من قراءة الكتاب قلت له : أبا حمزة ، إنّ الحجاج عامل ، ولو وضع لك في جامعة « 2 » لقدر أن يضرك وينفعك ؛ فأنا أريد أن تصالحه . قال : ذلك إليك ، لا أخرج عن رأيك . ثم أتيت الحجاج ؛ فلما رآني رحب وقال : واللّه لقد كنت أحبّ أن أراك في بلدي هذا ! قلت : وأنا واللّه قد كنت أحب أن أراك وأقدم عليك بغير الذي أرسلت به إليك ! قال : وما ذاك ؟ قلت : فارقت الخليفة وهو أغضب الناس عليك ! قال : ولم ؟ قال : فدفعت إليه الكتاب ، فجعل يقرؤه وجبينه يعرق فيمسحه بيمينه ، ثم قال : اركب بنا إلى أنس بن مالك . قلت له : لا تفعل ، فإني سأتلطف به حتى يكون هو الذي يأتيك - وذلك للذي أشرت عليه من مصالحته - قال : فألقى كتاب أمير المؤمنين ، فإذا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم . من عبد اللّه عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف ، أمّا بعد فإنك عبد طمت « 3 » بك الأمور فطغيت ، وعلوت فيها حتى جزت قدرك ، وعدوت طورك ، وأيم اللّه يا بن المستفرمة « 4 » بعجم زبيب الطائف ، لأغمزنّك « 5 »

--> ( 1 ) اغتر : غفل ، والغرّة : غفلة في اليقظة . ( 2 ) الجامعة : الغل . ( 3 ) طمى : طغى ، أو ارتفع ، أو اشتدّ . ( 4 ) المستفرمة : التي تجعل الدوراء في متاعها ليضيق . ( 5 ) الغمزات : جمع غمزة : وهي الشدة والزحمة ، أو الضلالة التي تغمر صاحبها .