أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
278
العقد الفريد
عضيدة لقد تجاوزت مياها عذبا ، أخسفت « 1 » أم أوشلت ؟ قال : لا واحد منها ، ولكن نبطا بين الماءين . قال : وكيف يكون قدره ؟ قال : مرت بنا رفقة فيها خمسة وعشرون جملا ، فرويت الإبل وأهلها . قال : أو للإبل حفرتها ؟ إنما حفرتها للناس . إن الإبل ضمر خسف « 2 » ، ما جشّمت تجشّمت . بعث عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف واليا على العراق ، وأمره أن يحشر الناس إلى المهلب في حرب الأزارقة ، فلما أتى الكوفة صعد المنبر متلثما متنكبا قوسه ، فجلس واضعا إبهامه على فيه ، فنظر محمد بن عمير بن عطارد التميمي ، فقال : لعن اللّه هذا ولعن من أرسله إلينا ؛ أرسل غلاما لا يستطيع أن ينطق عيّا ، وأخذ حصاة بيده ليحصبه « 3 » بها ، فقال له جليسه : لا تعجل حتى ننظر ما يصنع . فقام الحجاج فكشف لثامه عن وجهه وقال : أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا * متى أضع العمامة تعرفوني « 4 » صليب العود من سلفي نزار * كنصل السيف وضّاح الجبين أخو خمسين مجتمع أشدّي * ونجّذني مداورة الشّئون « 5 » أما واللّه إني لا أحمل الشر بثقله ، وأحذوه بنعله ، وأجزيه بمثله ؛ أما واللّه إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها ، وكأني أرى الدماء بين العمائم واللحى تترقرق : هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم * قد لفّها الليل بسوّاق حطم « 6 » ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزّار على ظهر وضم « 7 »
--> ( 1 ) خسف البئر : إذا حفرها في حجارة فتبعث بماء كثيرة . ( 2 ) خسف : هزيلة . ( 3 ) حصب : رمى بالحصباء ونحوها . ( 4 ) الثنايا : جمع ثنيّة : وهي الطريق في الجبل . وطلاع الثنايا : جلد يتحمل المشاق ، أو ساع لمعالي الأمور . ( 5 ) المنجذ : المجرب والذي أصابته البلايا . ( 6 ) زيم : ناقة أو فرس . واشتدي : اسرعي . والحطم : الراعي إذا كان عنيفا . ( 7 ) الوضم : كل شيء يوضع عليه اللحم .