أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

269

العقد الفريد

بعثني إليك ؟ ولا نعلم أحدا يمدّ يده إلى هذا الأمر غير الحسن ، وقد بايع معاوية ، فخذ لنفسك قبل التّوطين فيستغني عنك معاوية . قال : أشر عليّ وارم الغرض الأقصى ، فإن المستشار مؤتمن . قال : أرى أن تصل حبلك بحبله وتسير إليه ، وتعير الناس أذنا صماء وعينا عمياء ! قال : يا ابن شعبة ، لقد قلت قولا لا يكون غرسه في غير منبته ، ولا مدرة « 1 » تغذيه ، ولا ماء يسقيه ، كما قال زهير : وهل ينبت الخطّيّ إلا وشيجه * وتغرس إلا في منابتها النّخل « 2 » ؟ ثم قال : أرى ويقضي اللّه . وذكر عمر بن عبد العزيز زيادا فقال : سعى لأهل العراق سعى الأمّ البرة ، وجمع لهم جمع الذرّة . وقال غيره : تشبّه زياد بعمر فأفرط ، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس . وقالوا : الدهاة أربعة : معاوية للرويّة ، وعمرو بن العاص للبديهة ، والمغيرة للمعضلات ، وزياد لكل صغيرة وكبيرة . ولما قدم زياد العراق قال : من على حرسكم ؟ قالوا : بلج . قال : إنما يحترس من مثل بلج فكيف يكون حارسا . أخذه الشاعر فقال : وحارس من مثله يحترس العتبي قال : كان في مجلس زياد مكتوبا : الشدّة في غير عنف ، واللين في غير ضعف . المحسن يجازي بإحسانه ، والمسئ يعاقب بإساءته . الأعطيات في أيامها . لا احتجاب عن طارق ليل ، ولا صاحب ثغر .

--> ( 1 ) مدرة : الطين اللزج المتماسك . ( 2 ) الوشيج : ما نبت من القنا والقصب ملتفا .