أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
254
العقد الفريد
تحصّنوا إذ عاينوا الأهوالا * بمعقل كان لهم عقالا وصخرة كانت عليهم صيلما * وانقلبوا منها إلى جهنما « 1 » تساقوا يستطعمون الماء * فأخرجت أرواحهم ظماء فكم لسيف اللّه من جزور * في مأدب الغربان والنّسور « 2 » وكم به قتلى من القساوس * تندب للصّلبان والنّواقس ثم ثنى عنانه الأمير * وحوله التّهليل والتّكبير مصمّما بحرب دار الحرب * قدّامه كتائب من عرب فداسها وسامها بالخسف * والهتك والسّفك لها والنّسف فحرّقوا ومزّقوا الحصونا * وأسخنوا من أهلها العيونا فانظر عن اليمين واليسار * فما ترى إلا لهيب النار وأصبحت ديارهم بلاقعا * فما ترى إلا دخانا ساطعا « 3 » ونصر الإمام فيها المصطفى * وقد شفى من العدوّ واشتفى غزوة سنة تسع وثلاثمائة وبعدها كانت غزاة طرّش * سمت إليها جيشه لم ينهش « 4 » وأحدقت بحصنها الأفاعي * وكلّ صلّ أسود شجاع « 5 » ثم بنى حصنا عليها راتبا * يعتور القوّاد فيه دائبا حتى أنابت عنوة جنّانها * وغاب عن يافوخها شيطانها فأذعنت لسيّد السادات * وأكرم الأحياء والأموات خليفة اللّه على عباده * وخير من يحكم في بلاده
--> ( 1 ) الصيلم : الأمر الشديد . ( 2 ) الجزور : ما يصلح لأن يذبح من الإبل . ( 3 ) البلقع : الخالي من كل شيء . ( 4 ) طرش : ناحية بالأندلس . ولم ينهش : لم يعي ولم يجهد . ( 5 ) الصّل : الحية من أخبث الحيات .