أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
238
العقد الفريد
ثم غزا إلى المارق الموتر عمرو بن حفصون ، وهو بحصن قامرة فأحدق به بخيله ورجله ، فلم يجد الفاسق منفذا ولا متنفّسا ، فأعمل الحيلة ، ولاذ بالمكر والخديعة ، وأظهر الإنابة والإجابة ، وأن يكون من مستوطني قرطبة بأهله وولده ، وسأل إلحاق أولاده في الموالي : فأجابه الأمير إلى كل ما سأل ، وكتب له الأمانات ، وقطعت لأولاده الثياب ، وخرزت له الخفاف ؛ ثم سأل مائة بغل يحمل عليها ماله ومتاعه إلى قرطبة ، فأمر الأمير بها ، وطلبت البغال ومضت إلى ببشتر وعليها عشرة من العرفاء ، وانحل العسكر عن الحصن بعض الانحلال ، وعكف القاضي وجماعة من الفقهاء على تمام الصلح فيما حسبوا فلما رأى الفاسق الفرصة ، انتهزها ؛ ففسق ليلا وخرج ، فلقى العرفاء بالبغال ، فقتلهم وأخذ البغال ، وعاد إلى سيرته الأولى ؛ فعقد المنذر على نفسه عقدا أن لا أعطاه صلحا ولا عهدا إلا أن يلقى بيده ، وينزل على عهده وحكمه ، ثم غزاه الغزاة التي توفى فيها ، فأمر بالبنيان والسكنى عليه . وأن يردّ سوق قرطبة عليه ؛ فعاجله أجله عن ذلك . عبد اللّه بن محمد ثم تولى عبد اللّه بن محمد التقي النقي العابد الزاهد ، التالي لكتاب اللّه ، والقائم بحدود اللّه ، يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين فبنى الساباط « 1 » ، وخرج إلى الجامع والتزم الصلاة إلى جانب المنبر حتى أتاه أجله رحمه اللّه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من صفر سنة ثلاثمائة . وكانت له غزوات ، منها غزاة بلى ، التي أنست كل غزاة تقدمتها ، وذلك أن المرثد ابن حفصون ألّب عليه كور الأندلس ، فنزل حصن بلى « 2 » ، وخرج إليه الأمير عبد اللّه بن محمد في أربعة عشر ألفا من أهل قرطبة خاصة ، وأربعة آلاف من حشمه ومواليه ؛ فبرز إليه الفاسق وقد كردس كراديسه « 3 » في سفح الجبل ، وناهضه الأمير
--> ( 1 ) الساباط : طريق مسقوف . ( 2 ) بلى : ناحية بالأندلس . ( 3 ) الكراديس : جمع الكردوس : وهو كل عظم تام ضخم ، وكل عظمين التقيا في مفصل .