أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
214
العقد الفريد
الحرون ، فقال ، كنت معه أنا ومولى له ، فصرع فجررت برجله ، فقال : أوجعتني ! فقاتلت أنا ومولاه عنه ؛ وعلموا أنه مروان فألحوا عليه ، فتركته ولحقت بكم . فبكى عبد اللّه ، فقال له أخوه عبيد اللّه : يا ألأم الناس ! فررت عنه وتبكي عليه ؟ ومضوا ، فقال بعضهم : كانوا أربعة آلاف . وقال بعضهم : كانوا ألفين ، فأتوا بلاد النوبة ، فأجرى عليهم ملك النوبة ما يصلحهم ، ومعهم أم خالد بنت يزيد ، وأم الحكم بنت عبيد اللّه - صبية جاء بها رجل من عسكر مروان حين انهزموا - فدفعها إلى أبيها . ثم أجمع ابنا مروان على أن يأتيا اليمن ، وقالا : نأتيها قبل أن يأتيها المسوّدة « 1 » فنتحصّن في حصونها وندعو الناس . فقال لهم صاحب النوبة لا تفعلوا إنكم في بلاد السودان وهم في عدد كثير ، ولا آمن عليكم ؛ فأقيموا . فأبوا ، قال : فاكتبوا لي كتابا ، فكتبوا له : إنا قدمنا بلادك فأحسنت مثوانا ، وأشرت علينا أن لا نخرج من بلادك ، فأبينا ، وخرجنا من عندك وافرين راضين شاكرين لك بطيب أنفسنا . وخرجوا فأخذوا في بلاد العدو ، فكانوا ربما عرضوا لهم ولا يأخذون منهم إلا السلاح ، وأكثر من ذلك لا يعرضون له ؛ حتى أتوا بعض بلادهم فتلقاهم عظيمهم فاحتبسهم ، فطلبوا الماء فمنعهم ، ولم يقاتلهم ولم يخلّهم وعطشهم ، وكان يبيعهم القربة بخمسين درهما ، حتى أخذ منهم مالا عظيما . ثم خرجوا فساروا حتى عرض لهم جبل عظيم بين طريقين فسلك عبد اللّه أحدهما في طائفة ، وسلك عبيد اللّه الآخر في طائفة أخرى ، وظنوا أن للجبل غابة يقطعونها ثم يجتمعون عند آخرها ، فلم يلتقوا . وعرض قوم من العدو لعبيد اللّه وأصحابه فقاتلوهم ، فقتل عبيد اللّه ، وأخذت أم الحكم بنته وهي صبية ، وقتل رجل من أصحابه ، وكفوا عن الباقين وأخذوا سلاحهم .
--> ( 1 ) المسودة : يريد جماعة العباسيين لأنهم يلبسون الثياب السوداء .