أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

207

العقد الفريد

ولما قتل الوليد بن يزيد قام يزيد بن الوليد خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إني واللّه ما خرجت أشرا ولا بطرا « 1 » ، ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك ؛ وما بي إطراء نفسي ، ولا تزكية عملي ، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي ؛ ولكني خرجت غضبا للّه ودينه ، وداعيا إلى كتاب اللّه وسنة نبيه ، حين درست « 2 » معالم الهدى ، وطفئ نور أهل التقوى ؛ وظهر الجبان العنيد ، المستحل للحرمة ، والراكب للبدعة ، والمغيّر للسنة ؛ فلما رأيت ذلك أشفقت إن غشيتكم ظلمة لا تقلع عنكم ، على كثرة من ذنوبكم ، وقسوة من قلوبكم ؛ وأشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه ، فيجيبه من أجابه منكم ؛ فاستخرت اللّه في أمري ، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي ، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهلي وأهل ولايتي - وهو ابن عمي في نسبي ، وكفئي في حسبي - فأراح اللّه منه العباد ، وطهر منه البلاد ، ولاية من اللّه وعونا ، بلا حول [ منا ] ولا قوة ، ولكن بحول اللّه وقوته وولايته وعونه . أيها الناس ، إن لكم عليّ إن وليت أموركم ، أن لا أضع لبنة على لبنة « 3 » ، ولا حجرا على حجر ، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ ثغره ، وأقسم بين أهله ما يقوون به ؛ فإن فضل رددته إلى أهل البلد الذي يليه ومن هو أحوج إليه ؛ حتى تستقيم المعيشة بين المسلمين وتكونوا فيه سواء ؛ ولا أجمّركم « 4 » في بعوثكم فتفتنوا ويفتن أهاليكم ؛ فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم به ، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم ، وإن رأيتم أحدا هو أقوى عليها مني فأردتم بيعته فأنا أول من بايع ودخل في طاعته ؛ أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم . وقال خلف بن خليفة في قتل الوليد بن يزيد : لقتل خالد بن عبد اللّه :

--> ( 1 ) الأشر : البطر ، والبطر : كثير الزهو . ( 2 ) درست : امحت . ( 3 ) اللّبنة : واحدة اللّبن : وهو المضروب من الطين يبنى به دون أن يطبخ . ( 4 ) حجّر الجيش : حبسه في أرض العدو ولم يقفله .