أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
165
العقد الفريد
ومن غير رواية أبي عبيد قال : لما نصب الحجاج المجانيق لقتال عبد اللّه بن الزبير ، أظلتهم سحابة فأرعدت وأبرقت وأرسلت الصواعق ؛ ففزع الناس وأمسكوا عن القتال ، فقام فيهم الحجاج فقال : أيها الناس ، لا يهولنّكم هذا ؛ فإني أنا الحجاج ابن يوسف وقد أصحرت « 1 » لربي ، فلو ركبنا عظيما لحال بيننا وبينه ولكنها جبال تهامة لم تزل الصواعق تنزل بها . ثم أمر بكرسي فطرح له ، ثم قال : يا أهل الشام ، قاتلوا على أعطيات أمير المؤمنين . فكان أهل الشام إذا رموا الكعبة يرتجزون ويقولون هذا : خطّارة مثل الفنيق المزبد * يرمى بها عواذ أهل المسجد « 2 » ويقولون أيضا : درّي عقاب « 3 » ، بلبن وأشخاب « 4 » . فلما رأى ذلك ابن الزبير خرج إليهم بسيفه فقاتلهم حينا ، فناداه الحجاج : ويلك يا بن ذات النطاقين ! اقبل الأمان وادخل في طاعة أمير المؤمنين ، فدخل على أمه أسماء ، فقال لها : سمعت رحمك اللّه ما يقول القوم ، وما يدعونني إليه من الأمان ؟ قالت : سمعتهم لعنهم اللّه ، فما أجهلهم وأعجب منهم إذ يعيّرونك بذات النطاقين ؛ ولو علموا ذلك لكان ذلك أعظم فخرك عندهم . قال : وما ذاك يا أماه ؟ قالت : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بعض أسفاره مع أبي بكر فهيأت لهما سفرة ، فطلبا شيئا يربطانها بها فما وجداه ، فقطعت من مئزري لذلك ما احتاجا إليه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أما إن لك به نطاقين في الجنة ! فقال عبد اللّه : الحمد للّه حمدا كثيرا ، فما تأمريني به ، فإنهم قد أعطوني الأمان ؟ قالت : أرى أن تموت كريما ولا تتبع فاسقا لئيما ، وأن يكون آخر نهارك أكرم من أوّله .
--> ( 1 ) أصحر : برز . ( 2 ) الخطارة : الناقة تخطر بذنبها في السير نشاطا . والفنيق : الفحل المكرم من الإبل الذي لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم . ( 3 ) عقاب : اسم ناقة . ( 4 ) اشخاب : جمع شخب ، وهو ما امتد من اللبن .