أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

163

العقد الفريد

فنأخذ الأمان لأنفسنا ، وإما أن تأذن لنا فنخرج . فقال ابن الزبير : لقد كنت عاهدت اللّه لا يبايعني أحد فأقبله بيعته إلا ابن صفوان ، فقال له ابن صفوان : أمّا أنا فإني أقاتك معك حتى أموت بموتك ، وإنها لتأخذني الحفيظة أن أسلمت في مثل هذه الحالة ! قال له رجل آخر : اكتب إلى عبد الملك بن مروان . فقال له : كيف أكتب : من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان ؟ فو اللّه لا يقبل هذا أبدا ؛ أم أكتب : لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من عبد اللّه بن الزبير ؟ فو اللّه لأن تقع الخضراء « 1 » على الغبراء « 2 » أحبّ إليّ من ذلك ! فقال عروة بن الزبير وهو جالس معه على السرير : يا أمير المؤمنين قد جعل اللّه لك أسوة . قال : من هو ؟ قال : حسن بن عليّ ، خلع نفسه وبايع معاوية . فرفع ابن الزبير رجله فضرب بها عروة حتى ألقاه عن السرير ، وقال : يا عروة ، قلبي إذا مثل قلبك ، واللّه لو قبلت ما يقولون ما عشت إلا قليلا وقد أخذت الدنيّة ، وإن ضربة بسيف في عزّ خير من لطمة في ذل . فلما أصبح دخل عليه بعض نسائه - وهي أم هاشم بنت منصور بن زياد الفزارية - فقال لها : اصنعي لنا طعاما . فصنعت له كبدا وسناما ، فأخذ منهما لقمة فلاكها ثم لفظها « 3 » ؛ ثم قال : اسقوني لبنا . فأتي بلبن ، فشرب منه ، ثم قال : هيئوا لي غسلا ! فاغتسل ثم تحنط وتطيّب ، ثم نام نومة وخرج . ودخل على أمه أسماء ابنة أبي بكر ذات النطاقين « 4 » ، وهي عمياء وقد بلغت مائة سنة ، فقال : يا أماه ، ما ترين ؟ قد خذلني الناس وخذلني أهل بيتي ! فقالت : لا يلعبنّ بك صبيان بني أمية : عش كريما ومت كريما ! فخرج فأسند ظهره إلى الكعبة ومعه نفر يسير فجعل يقاتلهم ويهزمهم وهو يقول : ويلمّه ! يا له فتحا لو كان له رجال ! فناداه الحجاج : قد كان لك رجال فضيّعتهم !

--> ( 1 ) الخضراء : السماء ؛ للونها الأخضر . ( 2 ) الغبراء : الأرض . ( 3 ) لفظ : رمى وطرح . ( 4 ) النطاقين : النطاق : حزام يشدّ به الوسط .