أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
153
العقد الفريد
ابن زياد وهو يتغدى ، وقال يزيد بن مفرّغ : إنّ الذي عاش ختّارا بذمّته * ومات عبدا : قتيل اللّه بالزّاب « 1 » ثم إن المختار كتب كتابا إلى ابن الزبير ، وقال لرسوله : إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى ابن الزبير ، فأت المهدي - يعني محمد بن الحنفية - فاقرأ عليه السلام ، وقل له : يقول لك أبو إسحاق : إني أحبك وأحب أهل بيتك ! قال : فأتاه ، فقال له ذلك ، فقال : كذبت وكذب أبو إسحاق ، وكيف يحبني ويحب أهل بيتي ، وهو يجلس عمر ابن سعد على وسائده وقد قتل الحسين ؟ فلما قدم عليه رسوله وأخبره ، قال المختار لأبي عمرو صاحب حرسه : استأجر لي نوائح يبكين الحسين على باب عمر بن سعد . ففعل ، فلما بكين قال عمر لابنه حفص : يا بني ، ائت الأمير فقل له : ما بال النوائح يبكين الحسين على بابي ؟ فأتاه فقال له ذلك ، فقال : إنه أهل أن يبكى عليه ! فقال : أصلحك اللّه ، انهنّ عن ذلك ! قال : نعم . ثم دعا أبا عمرو صاحب حرسه ، فقال له : اذهب إلى عمر بن سعد فأتني برأسه ! فأتاه فقال له : قم إليّ أبا حفص . فقام إليه وهو ملتحف بملحفة ، فجلله بالسيف فقتله ، وجاء برأسه إلى المختار ثم قال : ائتوني بابن عمر . فلما حضره قال : أتعرف هذا ؟ قال : نعم ، رحمه اللّه ! قال : أتحب أن نلحقك به ؟ قال : لا خير في العيش بعده ! فأمر به فضرب عنقه . ثم إن المختار لما قتل ابن مرجانة وعمر بن سعد ، جعل يتبع قتلة الحسين بن علي ومن خذله فقتلهم أجمعين ، وأمر الحسينية وهم الشيعة أن يطوفوا في أزقة المدينة بالليل ويقولوا : يا ثارات الحسين ! فلما أفناهم ودانت له العراق - ولم يكن صادق النية ولا صحيح المذهب ، وإنما أراد أن يستأصل الناس - فلما أدرك بغيته أظهر للناس قبح نيته ، فادّعى أن جبريل ينزل عليه ويأتيه بالوحي من اللّه ؛ وكتب إلى أهل البصرة :
--> ( 1 ) الختّار : الذي يغدر أقبح الغدر .