أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

142

العقد الفريد

ثم ترك كلّ واحد منهما أصحابه ، وانفردا فنزلا ؛ فقال حصين : يا أبا بكر ، أنا سيد أهل الشام لا أدافع ، وأرى أهل الحجاز قد رضوا بك ؛ فتعال أبايعك الساعة ويهدر كل شيء أصبناه يوم الحرّة ، وتخرج معي إلى الشام ، فإني لا أحب أن يكون الملك بالحجاز . فقال : لا واللّه لا أفعل ، ولا آمن من أخاف الناس وأحرق بيت اللّه وانتهك حرمته ! قال : بل فافعل على أن لا يختلف عليك اثنان . فأبى ابن الزبير ؛ فقال له حصين : لعنك اللّه ولعن من زعم أنك سيد ، واللّه لا تفلح أبدا ! اركبوا يا أهل الشام . فركبوا وانصرفوا . أبو عبيد عن الحجّاج عن أبي معشر قال : حدّثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير ، قال : غلب حصين بن نمير على مكة كلها إلا الحجر ، قال : فو اللّه إني لجالس عنده ومعه نفر من القرشيين : عبد اللّه بن مطيع ، والمختار بن أبي عبيد ، والمسور بن مخرمة ، والمنذر بن الزبير ، إذ هبّت رويحة « 1 » ؛ فقال المختار : واللّه إني لأرى في هذه الرويحة النصر ، فاحملوا عليهم . فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة ، وقتل المختار رجلا ، وقتل ابن مطيع رجلا . ثم جاءنا على أثر ذلك موت يزيد بعد حريق الكعبة بإحدى عشرة ليلة . وانصرف حصين بن نمير وأصحابه إلى الشام ، فوجدوا معاوية بن يزيد قد مات ولم يستخلف ، وقال : لا أتحملها حيا وميتا . فلما مات معاوية بن يزيد ، بايع أهل الشام كلهم ابن الزبير ، إلا أهل الأردن ؛ وبايع أهل مصر أيضا ابن الزبير ، واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس الفهري على أهل الشام . فلما رأى ذلك رجال بني أمية وناس من أشراف أهل الشام ووجوههم ، منهم روح بن زنباع وغيره ، قال بعضهم لبعض : إنّ الملك كان فينا أهل الشام ، فانتقل عنا إلى الحجاز ؛ لا نرضى بذلك ؛ هل لكم أن تأخذوا رجلا منا فينظر في هذا الأمر . فقال [ روح بن زنباع ] : استخيروا اللّه . قال : فرأى القوم أنه غلام

--> ( 1 ) رويحة : تصغير الرّوح : النسيم .