أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

127

العقد الفريد

عبيد اللّه بن زياد ، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق انسل منهم ناس ، حتى بقي في شرذمة قليلة . قال : فجعل الناس يرمونه بالآجرّ من فوق البيوت ؛ فلما رأى ذلك دخل دار هانئ بن عروة المرادي ، وكان له شرف ورأي ؛ فقال له هانئ : إن لي من ابن زياد مكانا ، وإني سوف أتمارض ، فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه . قال : فبلغ ابن زياد أنّ هانئ بن عروة مريض يقيء الدم ، وكان شرب المغرة « 1 » فجعل يقيئها ، فجاء ابن زياد يعوده وقال هانئ : إذا قلت لكم اسقوني ، فأخرج إليه فاضرب عنقه - يقولها لمسلم بن عقيل - فلما دخل ابن زياد وجلس ، قال هانئ : اسقوني ! فتثبّطوا عليه ، فقال : ويحكم ! اسقوني ولو كان فيه نفسي ! قال : فخرج ابن زياد ولم يصنع الآخر شيئا . قال : وكان أشجع الناس ولكن أخذ بقلبه . وقيل لابن زياد ما أراده هانئ ، فأرسل إليه ، فقال : إني شاك لا أستطيع . فقال : ائتوني به وإن كا شاكيا . فأسرجت له دابة فركب ومعه عصا . وكان أعرج ، فجعل يسير قليلا قليلا ، ثم يقف ويقول : ما أذهب إلى ابن زياد ، حتى دخل على ابن زياد فقال له : يا هانئ ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء ؟ قال بلى : قال : ويدي ؟ قال : بلى . ثم قال له هانئ : قد كانت له عندي ولأبيك وقد آمنتك في نفسك ومالك . قال : اخرج . فخرج ، فتناول العصا من يده وضرب بها وجهه حتى كسرها ، ثم قدّمه فضرب عنقه . وأرسل إلى مسلم بن عقيل ، فخرج إليهم بسيفه ؛ فما زال يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح ، فأسروه . وأتي به ابن زياد فقدمه ليضرب عنقه . فقال له : دعني حتى أوصي . فقال له : أوص . فنظر في وجوه الناس ، فقال لعمر بن سعد : ما أرى قريشا هنا غيرك فادن مني حتى أكلمك . فدنا منه ، فقال له هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش ؟ إن حسينا ومن معه - وهم تسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة - في الطريق ؛

--> ( 1 ) المغرة : طين أحمر بصبغ .