أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
122
العقد الفريد
قالوا : خفنا القتل ، وكادكم بنا وكادنا بكم « 1 » . وفاة معاوية عن الهيثم بن عدي قال : لما حضرت معاوية الوفاة ويزيد غائب ، دعا الضحاك بن قيس الفهري ، ومسلم بن عقبة المري ، فقال : أبلغا عني يزيد وقولا له : انظر إلى أهل الحجاز ، فهم أصلك وعترتك ؛ فمن أتاك منهم فأكرمه ، ومن قعد عنك فتعاهده ، وانظر أهل العراق ، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله ، فإنّ عزل عامل واحد أهون من سلّ مائة ألف سيف ، [ ثم ] لا تدري على من تكون الدائرة ؛ ثم انظر إلى أهل الشام ، فاجعلهم الشعار دون الدثار « 2 » ؛ فإن رابك من عدوّك ريب فارمه بهم ، ثم أردد أهل الشام إلى بلدهم ولا يقيموا في غيره فيتأدّبوا بغير أدبهم ؛ لست أخاف عليك إلا ثلاثة : الحسين بن علي ، وعبد اللّه بن الزبير ، وعبد اللّه بن عمر . فأما الحسين ابن علي فأرجو أن يكفيكه اللّه بمن قتل أباه وخذل أخاه ؛ وأما ابن الزبير فإنه خبّ ضب « 3 » ، فإن ظفرت به فقطّعه إربا إربا ؛ وأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذه « 4 » الورع ، فخلّ بينه وبين آخرته يخلّ بينك وبين دنياك . ثم أخرج إلى يزيد بريدا بكتاب يستقدمه ويستحثه ، فخرج مسرعا ، فتلقاه يزيد فأخبره بموت معاوية ، فقال يزيد : جاء البريد بقرطاس يخبّ به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ما ذا في صحيفتكم * قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا * كأنّ أغبر من أركانها انقلعا ثمّ انبعثنا إلى خوص مزمّمة * نرمي الفجاج بها ما نأتلي سرعا « 5 »
--> ( 1 ) كاد القوم : حاربهم ، وخدعهم ومكر بهم . ( 2 ) الدّثار : الثوب الذي يكون فوق الشعار ، والغطاء . ( 3 ) الخب : ضد الخداع . والضب : المراوغ . ( 4 ) وقذه الورع : تركه عليلا . ( 5 ) الخوص : النوق الغائرة العيون من كثرة الأسفار .