أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

108

العقد الفريد

ابن العاص ، دخل ابن ملجم المسجد في بزوغ الفجر الأول ، فدخل في الصلاة تطوّعا ، ثم افتتح في القراءة وجعل يكرر هذه الآية : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ « 1 » فأقبل ابن أبي طالب بيده مخفقة « 2 » وهو يوقظ الناس للصلاة ويقول : أيها الناس ، الصلاة الصلاة . فمرّ بابن ملجم وهو يردّد هذه الآية ، فظن عليّ أنه ينسى فيها ، ففتح عليه فقال . . وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ « 3 » ثم انصرف علي وهو يريد أن يدخل الدار ، فاتبعه فضربه على قرنه « 4 » ، ووقع السيف في الجدار فأطار فدرة « 5 » من آخره ، فابتدره الناس فأخذوه ، ووقع السيف منه ، فجعل يقول : أيها الناس ، احذروا السيف فإنه مسموم ! قال : فأتي به علي ، فقال : احبسوه ثلاثا وأطعموه واسقوه ، فإن أعش أر فيه رأيي ، وإن أمت فاقتلوه ولا تمثّلوا به ، فمات من تلك الضربة ، فأخذه عبد اللّه بن جعفر فقطع يديه ورجليه ، فلم يفزع ، ثم أراد قطع لسانه ففزع ؛ فقيل له : لم لم تفزع لقطع يديك ورجليك وفزعت لقطع لسانك ؟ قال : إني أكره أن تمرّ بي ساعة لا أذكر اللّه فيها ! ثم قطعوا لسانه وضربوا عنقه . وتوجه الخارجي الآخر إلى معاوية فلم يجد إليه سبيلا . وتوجه الثالث إلى عمرو فوجده قد أغفل تلك الليلة فلم يخرج إلى الصلاة ، وقدّم مكانه رجلا يقال له خارجة فضربه الخارجي بالسيف وهو يظنه عمرو بن العاص ، فقتله ؛ فأخذه الناس فقالوا : قتلت خارجة ! قال : أو ليس عمرا ؟ قالوا له : لا ! قال : أردت عمرا وأراد اللّه خارجة ! وفي الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لعلي : ألا أخبرك بأشد الناس عذابا يوم القيامة ؟ قال : أخبرني يا رسول اللّه . قال : فإن أشد الناس عذابا يوم القيامة : عاقر ناقة ثمود ، وخاضب لحيتك بدم رأسك !

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 207 . ( 2 ) المخفقة : الدرة أو سوط من خشب . ( 3 ) سورة البقرة الآية 207 . ( 4 ) القرن من رأس الإنسان : جانبه وموضع القرن منه . ( 5 ) الفدرة : القطعة .