أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

97

العقد الفريد

المدائني قال : قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب ، فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أميّة ، وتناول بني هاشم ، وذكر مشاهده بصفّين ، واجتمعت قريش ، فأقبل عبد اللّه بن عباس على عمرو ، فقال . يا عمرو ، إنك بعت دينك من معاوية ، وأعطيته ما بيدك ، ومنّاك ما بيد غيره فكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك ، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته ، وكلّ راض بما أخذ وأعطى ، فلما صارت مصر في يدك كدّرها عليك بالعدل والتنقص ، وذكرت مشاهدك بصفّين ، فو اللّه ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك ولقد كشفت فيها عورتك ، وإن كنت فيها لطويل اللسان ، قصير السنان آخر الخيل إذا أقبلت ، وأولها إذا أدبرت ، لك يدان ، يد لا تبسطها إلى خير ، وأخرى لا تقبضها عن شر ، ولسان غادر ذو وجهين ، ووجهان وجه موحش ووجه مؤنس ، ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول عليها ندمه ، لك بيان وفيك خطل ، « 1 » ولك رأي وفيك نكد ، ولك قدر وفيك حسد ، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك . فأجابه عمرو بن العاص : واللّه ما في قريش أثقل عليّ مسألة ، ولا أمرّ جوابا منك ، ولو استطعت أن لا أجيبك لفعلت ، غير أني لم أبع ديني من معاوية ، ولكن بعت اللّه نفسي ولم أنس نصيبي من الدنيا ، وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته ، فإنه لا تعلّم العوان « 2 » الخمرة ، وأما ما اتى إلى معاوية في مصر فإن ذلك لم يغيّرني له ، وأما خفة وطأتي عليكم بصفين فلما استثقلتم حياتي ، واستبطأتم وفاتي ، وأما الجبن ، فقد علمت فريش أني أول من يبارز ، وآخر من ينازل وأما طول لساني فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان بن عفان رضي اللّه عنه : لساني طويل فاحترس من شذاته * عليك وسيفي من لساني أطول « 3 »

--> ( 1 ) الخطل : الكلام الفاسد الكثير المضطرب . ( 2 ) العوان من النساء : التي كان لها زوج . والمثل يضرب للمجرب العارف بأمره . ( 3 ) الشذاة : الحدة .