أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
95
العقد الفريد
المروءة ؛ ونحن واللّه أعطى للآخرة منكم للدنيا ، وأعطى في الحق منكم في الباطل ، وأعطى على التقوى منكم على الهوى ؛ والقسم بالسوية والعدل في الرعية يأتيان على المنى والأمل ، ما أرضاكم منا بالكفاف ، فلو رضيتم منا لم ترض أنفسنا به لكم ؛ والكفاف رضا من لا حق له ؛ فلا تبخلونا حتى تسألونا ، ولا تلفظونا حتى تذوقونا . أبو عثمان الحزامي قال : اجتمعت بنو هاشم عند معاوية ، فأقبل عليهم فقال : يا بني هاشم ، واللّه إن خيري لكم لممنوح ، وإن بابي لكم لمفتوح ؛ فلا يقطع خيري عنكم علة ولا يوصد بابي دونكم مسألة ؛ ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرا مختلفا : إنكم لترون أنكم أحق بما في يدي مني ، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقكم قلتم أعطانا دون حقنا ، وقصّر بنا عن قدرنا ؛ فصرت كالمسلوب ، والمسلوب لا حمد له ؛ وهذا مع إنصاف قائلكم ، وإسعاف سائلكم . قال : فأقبل عليه ابن عباس فقال : واللّه ما منحتنا شيئا حتى سألناه ، ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه ؛ ولئن قطعت عنا خيرك للّه أوسع منك ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك ، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين ، ولنا في كتاب اللّه حقان : حق في الغنيمة ، « 1 » وحق في الفيء ؛ « 2 » فالغنيمة ما غلبنا عليه ، والفيء ما اجتبيناه ، ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خف ولا حافر . كفاك أم أزيدك ؟ قال : كفاني ، فإنك تهرّ ولا تنبح . وقال معاوية يوما وعنده ابن عباس : إذا جاءت بنو هاشم بقديمها وحديثها ، وجاءت بنو أمية بأحلامها وسياستها ، وبنو أسد بن عبد العزى برفادتها ودياتها ، وبنو عبد الدار بحجابتها ولوائها ، وبنو مخزوم بأموالها وأفعالها ، وبنو تيم بصدّيقها « 3 » وجوادها ، وبنو عدي بفاروقها « 4 » ومتفكّرها ، وبنو سهم بآرائها ودهائها ، وبنو جمح
--> ( 1 ) الغنيمة : ما أوجف عليه المسلمون بخيلهم وركابهم من المشركين . ( 2 ) الفيء : ما أفاء اللّه من أموال المشركين على المسلمين بلا حرب . ( 3 ) الصديق : أبي بكر الصديق . ( 4 ) الفاروق : عمر بن الخطاب .