أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
93
العقد الفريد
على معاوية حقّارا له ، فبلغه عنه بعض ما غمّه ؛ فقال معاوية : رحم اللّه أبا سفيان والعباس ، كانا صفيّين دون الناس ، فحفظت الميت في الحي والحيّ في الميّت ؛ استعملك عليّ يا ابن عباس على البصرة ، واستعمل أخاك عبيد اللّه على اليمن ، واستعمل أخاك تمّاما على المدينة ؛ فلما كان من الأمر ما كان ، هنأتكم ما في أيديكم ، ولم أكشفكم عما وعت غرائركم ، وقلت : آخذ اليوم وأعطي غدا مثله . وعلمت أن بدء اللؤم يضر بعاقبة الكرم ، ولو شئت لأخذت بحلاقيمكم وقيّأتكم ما أكلتم . ولا يزال يبلغني عنكم ما تبرك له الإبل ، وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم : خذلتم عثمان بالمدينة ، وقتلتم أنصاره يوم الجمل ، وحاربتموني بصفين ، ولعمري لبنو تيم وعدي أعظم ذنوبا منا إليكم ؛ إذ صرفوا عنكم هذا الأمر ، وسنوا فيكم هذه السنة ؛ فحتى متى أغضي الجفون على القذى ، وأسحب الذيول على الأذى ، وأقول : لعل اللّه وعسى . . . ما تقول يا ابن عباس ؟ ! . قال : فتكلم ابن عباس فقال : رحم اللّه أبانا وأباك ، كانا صفيين متفاوضين « 1 » ؛ لم يكن لأبي من مال إلا ما فضل أباك ، وكان أبوك كذلك لأبي ؛ ولكن من هنّأ أباك بإخاء أبي أكثر ممن هنأ أبي بإخاء أبيك ؛ نصر أبي أباك في الجاهلية ، وحقن دمه في الإسلام ، وأما استعمال عليّ إيانا فلنفسه دون هواه وقد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك ، منهم ابن الحضرميّ على البصرة فقتل ، وابن بشر بن أرطاة على اليمن فخان ، وحبيب بن مرة على الحجاز فردّ ، والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحصب ؛ ولو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا ، وليس الذي يبلغك عنا بأعظم من الذي يبلغنا عنك ، ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لمحقها ، ولو وضع أدنى عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسّنها . وأما خذلنا عثمان فلو لزمنا نصره لنصرناه ، وأما قتلنا أنصاره يوم الجمل فعلى خروجهم مما دخلوا فيه وأما حربنا إياك بصفين فعلى تركك الحقّ وادعائك الباطل ، وأما إغراؤك إيانا بتيم وعدي فلو أردناها ما غلبونا عليها .
--> ( 1 ) المفاوضة : المشاركة .