أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

37

العقد الفريد

ومدح أعرابي رجلا فقال : كان واللّه للإخاء وصولا ، وللمال بذولا ، وكان الوفاء بهما عليه كفيلا ، فمن فاضله كان مفضولا . وقيل لأعرابي : ما البلاغة ؟ قال : التباعد من حشو الكلام ، والدلالة بالقليل على الكثير . ومدح أعرابي : رجلا فقال : كان واللّه من شجر لا يخلف ثمره ، ومن بحر لا يخاف كدره . وذكر أعرابي رجلا فقال : ذاك واللّه فتى زانه اللّه بالخير ناشئا ، فأحسن لبسه ، وزين به نفسه . ومدح أعرابي رجلا فقال : يصم أذنيه عن استماع الخنا « 1 » ، ويخرس لسانه عن التكلم به ؛ فهو الماء الشّريب « 2 » ، والمصقع الخطيب . وذكر أعرابي رجلا فقال : ذاك رجل سبق إليّ معروفه قبل طلبي إليه ، فالعرض وافر ، والوجه بمائه ، وما أستقل بنعمة إلا أثقلني بأخرى . وذكر أعرابي رجلا فقال : ذاك رضيع الجود والمفطوم به ، عيّ عن الفحشاء ، معتصم بالتقوى ؛ إذا خرست الألسن عن الرأي حذف « 3 » بالصواب كما يحذف الأرنب ، فإن طالت الغاية ولم يكن من دونها نهاية تمهل أمام القوم سابقا . وذكر أعرابي رجلا فقال : إن جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء ، والثمل على الغناء . وذكر أعرابي رجلا فقال : كان له علم لا يخالطه جهل ، وصدق لا يشوبه كذب ، كأنه الوبل عند المحل . وذكر أعرابي رجلا فقال : ما رأيت أعشق للمعروف منه ، وما رأيت المنكر أبغض لأحد منه .

--> ( 1 ) الخنا : الفحش في الكلام . ( 2 ) الشريب : العذب . ( 3 ) حذف : رمى .